الأربعاء، 9 مايو 2012

74- كف الأذى ..

74- كف الأذى ..

كان الناس يبغضونه ..
ما يكاد أحد يسلم من أذاه ..
إن سلمت من يده فلن تسلم من لسانه .. وإن فاته أن يجلدك بسوط لسانه في حضرتك فلن يفوته أن يجلدك في غيبتك ..
فعلاً .. كان رجلاً مكروهاً .. أثقل على الناس من صم الجبال الراسيات ..
وإذا تأملت في أحوال الناس فسوف تصل إلى يقين بأنه لا يؤذي غالباً إلا من كان عنده نعمة تفوق من يقابله ..
فالقوي يتجرأ على إيذاء الضعيف .. يدفعه بيده .. أو يركله برجله .. يضرب ويحقّر .. فيصير أسداً عليه لكنه في الحروب نعامة !!
والغني يتعدى على الفقير .. فيهينه في المجالس .. يقاطعه في كلامه ..
أما صاحب المنصب والجاه .. فله حظ كبير من ذلك ..
وقل مثل ذلك فيمن جعل الله نسبه رفيعاً ..
وهؤلاء في الحقيقة .. إضافة إلى بغض الناس لهم .. وتمنيهم زوال عزهم .. وفرحهم بمصائبهم ..
هم أيضاً مفلسون ..
وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. وقد جلس مع أصحابه يوماً فقال لهم :
أتدرون ما المفلس ؟
قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ..
فقال : إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة .. وصيام .. وزكاة .. ويأتي قد شتم هذا .. وقذف هذا .. وأكل مال هذا .. وسفك دم هذا .. وضرب هذا ..
فيعطى هذا من حسناته .. وهذا من حسناته .. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه .. أخذ من خطاياهم فطرحت عليه .. ثم طرح في النار ()  ..
لذا كان يتجنب صلى الله عليه وسلم  أذى الناس بشتى أشكاله ..
قالت عائشة رضي الله عنه : ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  شيئاً قط بيده .. ولا امرأة .. ولا خادماً .. إلا أن يجاهد في سبيل الله .. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه .. إلا أن ينتهك شيء من محارم الله .. فينتقم لله عز وجل () ..
وعموماً .. من استعمل هذه النعم لأذى الناس أبغضوه .. وقد يبتليه الله في دنياه قبل أخراه .. فيشفي صدورهم ..
أذكر أن أحد الأصدقاء من طلبة العلم وحفظة القرآن .. كان رجلاً صالحاً .. يأتيه بعض الناس أحياناً يقرأ عليهم شيئاً من القرآن كرقية شرعية .. وقد شفى الله تعالى على يده من شاء ..
دخل عليه يوماً من الأيام رجل تبدو عليه علامات الثراء .. جلس بين يدي الشيخ وقال : يا شيخ .. أنا عندي آلام في يدي اليسرى تكاد تقتلني .. لا أنام في ليل .. ولا أرتاح في نهار ..
ذهبت إلى عدد كبير من الأطباء .. أجروا لي الفحوصات .. عملوا تمارين .. ما فيه فائدة أبداً ..
الألم يزيد ويشتد حتى انقلبت حياتي عذاباً ..
يا شيخ .. أنا تاجر وعندي عدد من المؤسسات والشركات .. فأخشى أن أكون أصبت بعين حاسدة .. أو وضع لي أحد الأشرار سحراً ..
قال الشيخ : قرأت عليه سورة الفاتحة .. وآية الكرسي .. وسورة الإخلاص والمعوذتين ..
لم يظهر عليه تأثر .. خرج من عندي شاكراً ..
رجع إليَّ بعد أيام يشكو الألم نفسه .. قرأت عليه .. ذهب ورجع .. وقرأت عليه .. لم يظهر عليه أي تحسن ..
قلت له لما اشتد عليه اللم : قد يكون ما أصابك هو عقوبة على شيء فعلته .. من ظلم أحد الضعفاء .. أو أكل حقوقهم .. أو ظلمت أحداً في ماله فمنعته حقه .. أو غير ذلك .. فإن كان هناك شيء من ذلك فسارع إلى التوبة مما جنيت .. وأعد الحقوق إلى أهلها .. واستغفر الله مما مضى ..
التاجر لم يرق له كلامي .. وقال - بكبر - : أبداً .. ما ظلمت أحداً .. ولم أعتدِ على شيء من حقوق الناس .. وأشكرك على نصيحتك .. وخرج ..
مرت أيام وغاب الرجل عني .. خشيت أن يكون وجد علي في نفسه .. ولكن لا عليَّ فهي نصيحة أسديتها إليه .. تفاجأت به يوماً في مكان ما .. لقيني فأقبل إليَّ مسلماً مسروراً ..
سألته : هاه .. ما الأخبار ؟
قال : الحمد لله .. الآن يدي بخير .. بغير طب ولا علاج !!
قلت : كيف ؟
قال : لما خرجت من عندك .. جعلت أفكر في نصيحتك .. وأستعيد شريط ذكرياتي في ذهني .. وأفكر !! ترى هل ظلمت أحداً ؟! هل أكلت حق أحد ؟! فتذكرت أني قبل سنوات لما كنت أبني قصري .. كان بجانبه أرض رغبت في ضمها إليه ليكون أجمل .. كانت الأرض ملكاً لامرأة أرملة توفي زوجها وخلّف أيتاماً ..
أردتها أن تبيع الأرض فأبت .. وقالت : وماذا أفعل بقيمة الأرض .. بل تبقى لهؤلاء الأيتام حتى يكبروا .. أخشى أن أبيعها ويتشتت المال ..
أرسلت إليها مراراً لشرائها .. وهي تأبى علي ذلك ..
قلت : فماذا فعلت ؟
قال : انتزعت الأرض منها بطرقي الخاصة ..
قلت : طرقك الخاصة !!
قال : نعم .. علاقاتي الواسعة .. ومعارفي .. استخرجت ترخيصاً ببناء الأرض وضممتها إلى أرضي ..
قلت : وأم الأيتام ؟!!
قال : سمعت بما حصل لأرضها فكانت تأتي وتصرخ بالعمال الذين يعملون لتمنعهم من البناء .. وهم يضحكون منها يظنونها مجنونة .. وفي الواقع أنني أنا المجنون ليس هي ..
كانت تبكي وترفع يديها إلى السماء .. هذا ما رأيته بعيني .. ولعل دعاءها في ظلمة الليل كان أعظم ..
قلت : هاه .. أكمل ..
قال : رحت أسأل وأبحث عنها .. حتى عثرت عليها .. فبكيت واعتذرت .. ولا زلت بها حتى قبلت مني تعويضاً عن تلك الأرض .. ودعت لي وسامحتني ..
فوالله ما إن خفضت يديها .. حتى دبت العافية في بدني ..
ثم أطرق التاجر برأسه قليلاً .. ثم رفعه وقال : ونفعني دعاؤها – بإذن الله – نفعاً عجز عنه طب الأطباء ..

قالوا ..

نامت عيونك والمظلوم منتبه*يدعو عليك وعين الله لم تنم

73- الكرم ..


73- الكرم ..

قال لهم : من سيدكم ؟
قالوا : سيدنا فلان .. على أننا نبخِّله ..
فقال : وأي داء أدوأُ من البخل ؟!! بل سيدكم الأبيض الجعد فلان ..
هكذا جرى النقاش بين إحدى القبائل وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم  لما أسلموا فسألهم عن سيدهم ليقره عليهم بعد إسلامهم أو يغيره ..
نعم وأي داء أدوأ من البخل ..
ما أقبح البخل وما أعرض الناس عنه .. وما أثقله عليهم ..
لا يكاد يقيم في بيته وليمة يتحبب بها إليهم .. ولا يكاد يهدي هدية .. ولا يكاد يعتني بجمال مظهره .. ولا يهتم بزكاء برائحته .. توفيراً للمال .. ورضاً بالدون ..
أما الكريم فهو مفضال على أصحابه .. قريب من أحبابه .. إن اشتاقوا للاجتماع والأنس ففي بيته .. وإن نقص على أحدهم شيء تفضل عليه به .. فيأسر نفوسهم بكرمه .. ويستعبد قلوبهم بإحسانه ..
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
                       فطالما استعبد الإنسان إحسان
وينبغي عند إكرام غيرك أن تكون نيتك حسنة .. للتآلف مع إخوانك المسلمين .. وكسب مودتهم .. والتقرب إلى الله بالإحسان إليهم .. لا لأجل شهرة أو رئاسة أو كسب مديحهم وثنائهم ..
قال صلى الله عليه وسلم  : أول من تسعر بهم النار ثلاثة .. وذكر منهم رجلاً كان ينفق ليقال جواد أي كريم .. فلم يعمل ابتغاء وجه الخالق وإنما ابتغى وجه المخلوق .. رياءً وسمعة ..
وإليك الحديث كاملاً :
قال سفيان :
دخلت المدينة .. فإذا أنا برجل قد اجتمع الناس عليه ..
فقلت : من هذا ؟
قالوا : أبو هريرة ..
فدنوت منه حتى قعدت بين يديه .. وهو يحدث الناس ..
فلما سكت وخلا .. قلت : أنشدك الله .. بحق وحق .. لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  .. وعلمته ..
فقال أبو هريرة : أفعل .. لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. عقلته وعلمته ..
ثم نشغ أبو هريرة نشغة ( شهق ) .. فمكث قليلاً .. ثم أفاق ..
فقال : لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. وأنا وهو في هذا البيت .. ليس فيه أحد غيري وغيره ..
ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى .. فمكث بذلك .. ثم أفاق .. ومسح وجهه .. فقال :
أفعل .. لأحدثنك بحديث حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. وأنا وهو في هذا البيت .. ليس فيه أحد غيري وغيره ..
ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى .. ثم مال خارّاً على وجهه .. وأسندته طويلاً .. ثم أفاق .. فقال :
حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم  :
إن الله عز وجل إذا كان يوم القيامة .. نزل إلى العباد ليقضي بينهم .. وكل أمة جاثية ..
فأول من يدعو به : رجل جمع القرآن .. ورجل يقتل في سبيل الله .. ورجل كثير المال ..
فيقول الله للقارىء : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي ؟
قال : بلى يا رب ..
قال : فماذا عملت فيما علمت ؟
قال : كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار ..
فيقول الله له : كذبت ..
وتقول الملائكة له : كذبت ..
فيقول الله عز وجل : أردت أن يقال : فلان قارىء .. فقد قيل ..
ويؤتى بصاحب المال فيقول : ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟
قال : بلى ..
قال : فماذا عملت فيما آتيتك ؟
قال : كنت أصل الرحم .. وأتصدق ..
فيقول الله : كذبت ..
وتقول الملائكة : كذبت ..
ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جواد .. فقد قيل ذلك ..
ويؤتى بالرجل الذي قتل في سبيل الله .. فيقال له : فيم قتلت ؟
فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك .. فقاتلت حتى قتلت ..
فيقول الله : كذبت ..
وتقول الملائكة له : كذبت ..
ويقول الله : بل أردت أن يقال : فلان جريء .. فقد قيل ذلك ..
ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  على ركبتي فقال :
يا أبا هريرة .. أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة () ..
فإذا أحسنت النية في كرمك فأبشر بالخير ..
وأولى من تحسن إليهم ليحبوك ويكرموك .. أهل بيتك .. الأم .. الأب .. الزوجة .. الأولاد .. ثم الأقرب قالأقرب .. ابدأ بنفسك ثم بمن تعول .. وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول ..
ولا بد من التفريق بين الكرم والإسراف ..
دلف رجل في شارع قديم فمر ببيت متهالك .. فإذا فتاة صغيرة قد جلست على عتبة الباب بثياب رثة .. وهيئة فقيرة .. فسألها : من أنت ؟
قالت : أنا ابنة حاتم الطائي ..
فقال : عجباً !! ابنة حاتم الطائي الكريم الجواد .. على هذا الحال ؟!!
فقالت : كرم أبي صيرنا إلى ما ترى !!
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  أكرم الناس .. ولم يكن جشعاً ينظر في مصلحة نفسه ولا يلتفت إلى غيره ..
كلا ..
قال ابو هريرة رضي الله عنه :
والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع .. وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ..
ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه .. فمر أبو بكر .. فسألته عن آية من كتاب الله .. ما سألته إلا ليستتبعني .. فلم يفعل ..
ثم مرَّ عمر .. فسألته عن آية من كتاب الله .. ما سألته إلا ليستتبعني .. فمر فلم يفعل ..
ثم مرَّ بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم  .. فتبسم حين رآني .. وعرف ما في وجهي وما في نفسي ..
ثم قال : أبا هر .. قلت : لبيك يا رسول الله .. قال : اِلْحَقْ ..
ومضى .. فاتبعته .. فدخل .. فاستأذن .. فأذن لي .. فدخلت ..
فوجد لبناً في قدح .. فقال : من أين هذا اللبن ؟
قالوا : أهداه لك فلان .. أو فلانة ..
قال : أبا هر .. قلت : لبيك يا رسول الله ..
قال : اِلْحَقْ أهل الصفة .. فادعهم لي ..
قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام .. لا يأوون إلى أهل ولا إلى مال .. إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً .. وإذا أتته هدية أرسل إليهم .. وأصاب منها وأشركهم فيها .. فساءني ذلك ..
وقلت : وما هذا اللبن في أهل الصفة !! كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها .. فإذا جاءوا .. أمرني .. فكنت أنا أعطيهم .. وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ..
ولم يكن من طاعة الله .. وطاعة رسوله بدٌ .. فأتيتهم .. فدعوتهم ..
فأقبلوا .. فأذن لهم .. وأخذوا مجالسهم من البيت .. فقال : يا أبا هر ..
قلت : لبيك يا رسول الله .. قال : خذ .. فأعطهم ..
فأخذت القدح .. فجعلت أعطيه الرجلَ فيشرب حتى يروى .. ثم يرد عليَّ القدح .. فأعطيه الآخر .. فيشرب حتى يروى .. ثم يرد علي القدح .. فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى .. ثم يرد علي القدح ..
حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم  .. وقد روي القوم كلهم .. فأخذ القدح فوضعه على يده .. فنظر إليَّ فتبسم فقال : أبا هر .. قلت : لبيك يا رسول الله .. قال :
بقيت أنا وأنت ؟ قلت : صدقت يا رسول الله .. قال : اقعد فاشرب .. فقعدت فشربت .. فقال : اشرب .. فشربت ..
فما زال يقول : اشرب .. حتى قلت : لا .. والذي بعثك بالحق .. ما أجد له مسلكاً .. قال : فأرني .. فأعطيته القدح .. فحمد الله وسمَّى .. وشرب الفضلة .. ()
وللكرم أسرار ..
أحياناً لا تتكرم على الشخص مباشرة .. وإنما تتكرم على من يحبهم .. فيحبك ..
زارني أحد الأصدقاء يوماً .. وكان يحمل كيساً فيه عدد من الحلويات والألعاب .. أظنها لم تكلفه بضعة ريالات .. وضعها بجانب الباب لما دخل .. وقال : هذه للأولاد ..
فرح بها الصغار .. وفرحت بها أنا لأنه أشعرني أنه يحب إدخال السرور على أولادي ..
كان أحد السلف عالماً .. لكنه كان فقيراً ..
فكان طلابه يهدون إليه بين فترة وأخرى .. أنواعاً من الهدايا .. تمر .. دقيق ..
وكان الطالب إذا أهدى إليه .. لم يزل الشيخ مكرماً مقبلاً عليه .. ما دامت هديته باقية ..
فإذا انتهت .. رجع إلى طبعه الأول ..
ففكر أحد طلابه بهدية يحملها إلى الشيخ .. تكون معقولة الثمن .. وتطول مدة بقائها ..
فأهدى إليه كيس ملح ..
ولو استشرتني في هديتين ستهدي إحداهما إلى صديق ..
أولهما زجاجة عطر رائع .. ثمين ..
أو ساعة حائطية تكتب عليها إهداءً باسمه ..
لاخترت الساعة .. لأنها يطول بقاؤها .. ويراها دائماً ..
وأذكر أن أحد طلابي أهديته ساعة حائطية فيها إهداء باسمه ..
وتخرج من الكلية .. ومرت السنين ..
ثم زرت إحدى المدن فتفاجأت به يحضر المحاضرة ويدعوني إلى بيته ..
فلما دخلت مجلس الضيوف فإذا به يشير إلى الساعة معلقة على الحائط .. ويقول : هذه أغلى هدية عندي ..
وقد مر على تخرجه سبع سنين ..
بقي أن تعلم أن هذه الساعة لم تكلف إلا شيئاً يسيراً .. لكن قيمتها المعنوية أعلى وأكبر ..

وجهة نظر ..

كسب قلوب الناس فرص قد لا تتكرر

72- العفو عن الآخرين ..


72- العفو عن الآخرين ..

لا تخلو الحياة من عثرات تصيبنا من الناس ..
فهذه مزحة ثقيلة .. وتلك كلمة نابية .. وتعدٍّ على حاجات شخصية ..
خصومة بين اثنين في مجلس .. أو اختلاف في وجهات نظر .. أو آراء ..
وبعضنا يكبر الموضوع في نفسه .. وليس عنده استعداد للعفو أو النسيان ..
أو ربما لم يملك استعداداً لقبول أعذار الآخرين والعفو عنهم ..
بعض الناس يعذب نفسه بعدم عفوه .. يملأ صدره بأحقاد تشغله تعذبه ..
ولله در الحسد ما أعدله .. بدأ بصاحبه فقتله ..
فلا تعذب نفسك .. هناك أشياء لا يمكن أن تعاقب عليها ..
اِنسَ الماضي .. وعش حياتك ..
لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم  مكة فاتحاً .. واطمأن الناس ..
خرج حتى جاء الكعبة فطاف بها سبعاً على راحلته ..
فلما قضى طوافه .. دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة .. ففتحت له فدخلها ..
فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم ..
ورأى إبراهيم عليه السلام مصوراً في يده الأزلام يستقسم بها ..
فقال صلى الله عليه وسلم  : قاتلهم الله .. جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام !! ما شأن ابراهيم والأزلام ؟!
ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ..
ثم أمر صلى الله عليه وسلم  بتلك الصور كلها فطمست ..
ثم وجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده .. ثم طرحها ..
ثم وقف على باب الكعبة ..
وقد اجتمع له الناس في المسجد مسلمين والكفار ينظرون إليه ..
ثم صلى ركعتين ثم انصرف إلى زمزم .. فاطلع فيها .. ودعا بماء فشرب منها وتوضأ ..
والناس يبتدرون وضوءه ..
والمشركون يتعجبون من ذلك .. ويقولون : ما رأينا ملكاً قط ولا سمعنا به مثل هذا ..
ثم أقبل إلى مقام إبراهيم فأخره عن الكعبة .. وكان ملصقا بها ..
ثم قام صلى الله عليه وسلم  على باب الكعبة فقال :
لا إله إلا الله .. وحده لا شريك له .. صدق وعده .. ونصر عبده .. وهزم الاحزاب وحده ..
ألا كل مأثرة .. أو دم .. أو مال يُدَّعى .. فهو موضوع تحت قدمي هاتين .. إلا سدانة البيت .. وسقاية الحاج .. ثم جعل يقرر بعض الأحكام الشرعية فقال :
أَلَا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا .. ففيه الدية مغلظة مائة من الابل .. أربعون منها في بطونها أولادها ..
ثم نظر إلى رؤوس قريش وساداتها .. فصاح بهم :
يا معشر قريش .. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية .. وتعظّمها بالآباء ..
الناس من آدم .. وآدم من تراب ..
ثم تلا " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "
ثم جعل يتأمل في وجوه الكفار ..
وهو في عزه وملكه عند الكعبة .. وهم في ذلهم وضعفهم ..
في مكان طالما كذبوه فيه .. وأهانوه .. وألقوا الأوساخ على رأسه وهو ساجد ..
وكفار قريش بين يديه .. مهزومين .. أذلاء .. صاغرين ..
ثم قال : يا معشر قريش .. ما ترون أني فاعل فيكم ؟
فانتنفضوا .. وقالوا : تفعل بنا خيراً .. أنت أخ كريم .. وابن أخ كريم ..
عجباً !! هل نسوا ما كانوا يفعلونه بهذا الأخ الكريم .. أين سبكم : مجنون .. ساحر .. كاهن ؟!
ما دام أخاً كريماً .. وأبوه أخ كريم !! فلماذا حاربتموه ؟!
أين تعذيبكم للمسلمين الضعفاء ..
هذا بلال واقف .. وآثار التعذيب لا تزال في ظهره ..
وتلك نخلة قريبة قتلت عندها أمية .. وزوجها ياسر .. وهذا ابنهما عمار مع المسلمين يشهد ..
أين حبسكم له مع المسلمين الضعفاء .. ثلاث سنين في شعب بني عامر .. حتى أكلوا ورق الشجر من شدة الجوع ..؟!! ما رحمتم بكاء الصغير .. ولا أنين الشيخ الكبير .. ولا حاملاً ولا مرضعاً !!
أين حربكم له في بدر .. وأحد .. وتحزبكم عليه في الخندق ؟
أين منعكم له من دخول مكة معتمراً .. لما جاءكم قبل سنين .. وتركتموه محبوساً في الحديبية .. ممنوعاًمن دخول مكة ؟
أين صدكم لعمه أبي طالب عن الإسلام وهو على فراش الموت ؟
أين ..؟ أين ..؟ شريط طويييييل من الذكريات المؤلمة يمر أمام ناظريه صلى الله عليه وسلم  ..
ليس هو فقط .. بل أمام ناظري أبي بكر وعمر .. وعثمان وعلي .. وبلال وعمر .. فكل واحد من هؤلاء .. له مع قريش قصة حزينة ..
كان يستطيع أن ينزل بهم أقسى أنواع العقوبة .. فهم أعداء محاربون .. معتدون .. خونة ..
نعم خونة .. خانوا صلح الحديبية .. واعتدوا ..
كانوا مجرمين .. متحيرين .. لا يدرون ماذا سيُفعل بهم ..
فإذا به صلى الله عليه وسلم  يدوس على الأحقاد .. ويحلق بهمته عاااالياً ..
ويقول كلمة يهتف بها التاريخ : اذهبوا .. فأنتم الطلقاء ..
فينطلقون .. مستبشرين .. تكاد أرجلهم تطير من الفرح ..
أحقاً عفا عنا ؟!!
ثم تلفت صلى الله عليه وسلم  ينظر حول الكعبة .. فإذا ثلثمائة وستون صنماً .. تعبد من دون الله .. عند بيته المعظّم ..!!
فجعل صلى الله عليه وسلم  يضربها بيده الكريمة .. فتهوي .. وهو يقول :
جاء الحق .. وزهق الباطل .. جاء الحق .. وما يبدئ الباطل وما يعيد ..
عدد من كفار قريش العتاة البغاة .. الذين لهم تاريخ أسود مع المسلمين .. فروا من مكة قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه إليها ..
منهم صفوان بن أمية ..
فإنه فر منها هارباً .. وقد تحير أين يذهب ..
فمضى إلى جدة ليركب منها إلى اليمن ..
فلما رأى الناس عفو رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. ونسيانه للماضي الأليم ..
جاء عمير بن وهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال :
يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه .. وقد خرج هارباً منك .. ليقذف نفسه في البحر .. فأّمِّنه .. صلى الله عليك ..
قال صلى الله عليه وسلم  بكل بساطة : هو آمن ..
قال عمير : يا رسول الله .. فأعطني آية يعرف بها أمانك .. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم  عمامته التي دخل فيها مكة .. حتى إذا رآها صفوان .. عرفها فوثق في صدق عمير ..
خرج بها عمير حتى أدركه .. وهو يريد أن يركب في البحر ..
فقال : يا صفوان .. فداك أبي وأمي .. الله .. الله في نفسك أن تهلكها .. فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد جئتك به ..
فقال صفوان : ويحك .. أغرب عني فلا تكلمني .. فإنك كذاب .. وكان خائفاً من مغبة ما كان فعله بالمسلمين ..
قال : أي صفوان .. فداك أبي وأمي .. رسول الله .. أفضل الناس .. وأبر الناس .. وأحلم الناس ..وخير الناس .. وهو ابن عمك .. عزُّه عزك .. وشرفُه شرفك .. وملكُه ملكك ..
قال : إني أخافه على نفسي ..
قال : هو أحلم من ذاك وأكرم ..
فرجع صفوان معه ..
حتى وصلا إلى مكة .. فمضى به عمير حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم  ..
فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك قد أمنتني ..
قال صلى الله عليه وسلم  : صدق ..
قال صفوان : أما دخولي في الإسلام .. فاجعلني بالخيار فيه شهرين  ..
فقال صلى الله عليه وسلم  : أنت بالخيار فيه أربعة أشهر ..
ثم أسلم صفوان بعد ذلك ..
ما أجمل العفو عن الناس .. ونسيان الماضي الأليم .. هذا خلق بلا شك لا يستطيعه إلا العظماء .. الذين يترفعون بأخلاقهم عن سفالة الانتقام .. والحقد .. وشفاء الغيظ .. فالحياة قصيرة - على كل حال - .. نعم هي أقصر من أن ندنسها بحقد وضغينة ..
حتى في الحاجات الخاصة .. كان صلى الله عليه وسلم  هيناً ليناً ..
قال المقداد بن الأسود رضي الله عنه : قدمت المدينة أنا وصاحبان لي ..
فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد ..
فأتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم  .. فذكرنا له .. فأضافنا في منزل وعنده أربع أعنز ..
فقال : احلبهن يا مقداد .. وجزئهن أربعة أجزاء .. وأعط كل إنسان جزءاً فكنت أفعل ذلك ..
فكان المقداد كل مساء .. يحلب فيشرب هو وصاحباه .. ويبقى جزء النبي عليه الصلاة والسلام .. فإن كان موجوداً شربه .. وإن كان غائباً حفظوه له حتى يرجع ..
وفي ليلة من الليالي .. تأخر النبي صلى الله عليه وسلم  في المجيء إليهم ..
واضطجع المقداد على فراشه .. فقال في نفسه :
إن النبي صلى الله عليه وسلم  .. قد أتى أهل بيت من الأنصار .. فأطعموه ..
فلو قمت فشربت هذه الشربة ..
فلم تزل به نفسه حتى قام فشربها .. ولم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم  شيئاً ..
قال المقداد : فلما دخل في بطني وتقار .. أخذني ما قدم وما حدث ..
فقلت : يجيء الآن النبي صلى الله عليه وسلم  جائعاً ..ظمآناً .. فلا يرى في القدح شيئاً .. فيدعو علي ..
فسجيت ثوباً على وجهي .. يعني من الهم ..
فلما مضى بعض الليل ..
وجاء النبي صلى الله عليه وسلم  .. فسلم تسليمة تسمع اليقظان .. ولا توقظ النائم ..
والمقداد على فراشه .. ينظر إليه .. فأقبل صلى الله عليه وسلم  إلى إنائه ..
فكشف عنه فلم ير شيئاً .. فرفع بصره إلى السماء ..
ففزع المقداد .. وقال : الآن يدعو عليَّ ..
فتسمع ماذا يقول .. فإذا به صلى الله عليه وسلم  .. يقول :
اللهم اسق من سقاني .. وأطعم من أطعمني ..
فلما سمع المقداد ذلك .. أَغتنم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ..
قام فأخذ الشفرة السكين .. فدنا إلى الأعنز .. ليذبح إحداها .. ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم  ..
فجعل يجسهن ينظر أيتهن أسمن ليذبحها ..
فوقعت يده على ضرع إحداهن فإذا هي حافل .. مليئة باللبن ..
ونظر إلى الأخرى فإذا هي حافل ..
فنظرت فإذا هي كلهن حفل .. فحلب في إناء كبير .. فملأه حتى علت رغوته ..
ثم أتى به النبي صلى الله عليه وسلم  .. فقال : اشرب ..
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم  كثرة اللبن .. قال :
أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد ؟
فقال : اشرب يا رسول الله .. فقال : ما الخبر يا مقداد ؟
قال : اشرب ثم الخبر .. فشرب النبي صلى الله عليه وسلم  ثم ناول القدح للمقداد .. فقال المقداد : اشرب يا رسول الله ..فشرب ثم ناوله القدح .. قال : اشرب يا رسول الله ..
قال المقداد .. فلما عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد روي .. وأصابتني دعوته ..
ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض ..
فقال رسول الله : إحدى سوآتك يا مقداد ! .
فقلت : يا رسول الله .. إنك قد أبطأت علينا الليلة .. وكنت جائعاً فقلت في نفسي لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد تعشى عند بعض الأنصار .. وقص عليه القصة كلها .. وكيف أن الأعنز حلبت في ليلة واحدة مرتين .. على غير العادة ..
كان من أمري كذا .. فصنعت كذا وكذا ..
فقال : ما كانت هذه إلا رحمة الله .. ألا كنت آذنتي توقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها ..
فقلت : والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتَها .. وأصبتُها معك من أصابها من الناس ..

وجهة نظر ..

الحياة أخذ وعطاء .. فاجعل عطاءك أكثر من أخذك ..

71- إغراءات ..


71- إغراءات ..

قرأت أن شاباً مسلماً في بريطانيا .. اطلع على قرأ إعلان لإحدى الشركات حول حاجتها إلى موظفين يعملون في الحراسات ..
أقبل إلى اللجنة المختصة بمقابلة المتقدمين .. فإذا جمع كبير من الشباب .. ما بين مسلمين وغير مسلمين ..
كلما خرج شخص من المقابلة سأله الواقفون .. عن ماذا سألوك ؟ وبماذا أجبت ؟
كان من أهم أسئلتهم : كم كأساً تشرب من الخمر يومياً ؟!
جاء دور صاحبنا .. فدخل .. وتتابعت عليه الأسئلة .. حتى سألوه : كم تشرب من الخمر ؟
فقال : أنا لا أشرب الخمر ..
قالوا : لماذا !! هل أنت مريض ؟!
قال : لا .. لكني مسلم .. والخمر حرام ..
قالوا : يعني لا تشربها حتى في عطلة آخر الأسبوع ؟!!
قال : لا ..
فنظر بعضهم إلى بعض متعجبين ..
فلما ظهرت النتائج .. فإذا اسمه في أوائل المقبولين ..
بدأ عمله معهم .. ومضى عليه أشهر ..
وفي يوم لقي أحد المسئولين في تلك المقابلة وسأله : لماذا كنتم تكررون سؤالي عن الخمر ؟!
فقال : لأن الوظيفة المطلوبة هي في الحراسات .. وكلما توظف فيها شاب .. فوجئنا به يشرب الخمر ويسكر .. فيضيع مكانه .. ويهجم على الشركة من يسرقها .. فلما وجدناك لا تشرب الخمر عرفنا أننا وقعنا على مبتغانا .. فوظفناك هنا !!
ما أجمل الثبات على المبادئ وإن كثرت الإغراءات ..
المشكلة أننا نعيش في مجتمعات قلَّ أن تجد فيها من يتمسك مبادئه .. يعيش من أجلها ويموت من أجلها .. ويثبت على الالتزام بها .. وإن كثرت الإغراءات ..
إذا مشيت على الصحيح .. والتزمت بالصراط المستقيم .. فأصحاب المبادئ الأخرى لن يتركوك ..
فعدم قبولك للرشوة يغضب زملاءك المرتشين ..
وامتنعاك عن الزنا .. يغضب الفاعلين !!
ذُكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعِسّ ليلة من الليالي ..
يراقب وينظر ..
فمر بأحد البيوت في ظلمة الليل .. فسمع فيه رجال سكارى .. فكره أن يطرق عليهم الباب ليلاً .. وخشي أن يكون ظنه خاطئاً .. وأراد أن يتثبت من الأمر ..
فتناول كسرة فحم من على الأرض .. ووضع بها علامة على الباب .. ومضى ..
سمع صاحب الدار صوتاً عن الباب .. فخرج .. فرأى العلامة .. ورأى ظهر عمر مولياً .. ففهم القصة ..
فكان الأصل أن يمسح العلامة وينتهي الأمر .. لكنن الرجل لم يفعل ذلك ..!!
وإنما أخذ كسرة الفحم وأقبل إلى بيوت جيرانه .. وجعل يرسم على أبوابها علامات !!
وكأنه يريد أن ينزل الناس إلى مستواه .. ويكونون مثله .. ولا يريد أن يرتفع إلى مستواهم ..!!
وفي المثل : ودت الزانية لو أن النساء كلهن زنين ..
من التجارب في حياتنا .. أن تجد زوجة كثيرة الكذب على زوجها .. تربت على ذلك .. وتعودت عليه .. فإذا رأت من تنكر عليها .. وتنصحها بالصدق .. حاولت أن تجرها إلى مستنقعها .. فكررت عليها : الرجال ما يصلح معهم إلا كذا .. ما تمشي أمورك معه إلا بالكذب ..
فلا تزال بها حتى تتنازل عن مبادئه وتتغير .. أو ربما تثبت .. ولعلها ..
وقل مثل ذلك في مسئول حسن الخلق مع موظفيه .. ويرى أن هذا مما يفيد العمل .. ويزرث الراحة في قلوبهم .. ويزيد الإنتاج ..
فيلقاه مسئول سيء الخلق .. مبغوض من قِبَل موظفيه .. فيحسده – ربما – أو يريد أن يقنعه بأسلوب آخر في التعامل .. فيقول له : لا تفعل كذا .. وافعل كذا .. ولا تبتسم .. ولا ..
أو صاحب بقالة لا يبيع السجائر .. فيحول أن يقنعه ..
فكن بطلاً واثبت على مبادئك .. وقل بأعلى صوتك : لاااااا .. مهما أغروك ..
وقديماً حاول الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يتنازل عن مبادئه .. فقال الله له : ( ودوا لو تُدْهن فيدهنون ) ..
يعني أنهم لا مبادئ عندهم أصلاً ليحافظوا عليها .. وبالتالي لا مانع عندهم من التنازل عن مبادئهم .. فانتبه أن يغروك بترك مبادئك ..

قال تعالى :

" فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون "

70- الثبات على المبادئ ..


70- الثبات على المبادئ ..

كلما كانت شخصية الشخص أقوى .. وثباته على مبادئه أشد .. كان أهم في الحياة ..
أحيناً يكون من مبادئك عدم أخذ الرشوة .. مهما ملَّحوا أسماءها .. بخشيش .. هدية .. عمولة ..
زوجة يكون من مبادئها .. عدم الكذب على زوجها .. مهما زينوه لها .. تمشية حال .. كذب أبيض ..
من المبادئ .. عدم تكوين علاقات محرمة مع الجنس الآخر .. عدم شرب الخمر ..
شخص لا يدخن .. جلس مع أصحابه .. ليثبت على مبادئه ..
الشخص الثابت على مبادئه وإن انتقدته أصحابه أحياناً .. واتهموه بعدم المرونة .. إلا أن مشاعرهم الداخلية تؤمن أنها أمام بطل ..
فتجد أن أكثرهم يلجأ إليه ويشعر بأهميته أكثر ن غيره ..
وليش هذا خاصاً بأحد الجنسين دون الآخر .. بل الرجال والنساء في ذلك سواء ..
فاثبت على مبادئك ولا تقدم تنازلات .. عندها سيرضخ الناس لها ..
لما ظهر الإسلام في الناس جعلت لقبائل تفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ..
فجاء وفد قبيلة ثقيف وكانوا بضعة عشر رجلاً ..
فلما قدموا أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  المسجد ليسمعوا القرآن ..
فسألوه : عن الربا والزنا والخمر ؟
فحرم عليهم ذلك كله ..
وكان لهم صنم ورثوا عبادته وتعظيمه عن آبائهم .. اسمه " الربة " .. ويصفونه بـ " الطاغية " .. وينسجون حوله القصص والحكايات للدلالة على قوته ..
فسألوه عن " الربة " ما هو صانع بها ؟
قال : اهدموها ..
ففزعوا .. وقالوا : هيهات .. لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها .. قتلت أهلها !!
وكان عمر حاضراً .. فعجب من خوفهم من هدم صنم ..
فقال : ويحكم يا معشر ثقيف !! ما أجهلكم !! إنما الربة حجر ..
فغضبوا .. وقالوا : إنا لم نأتك يا ابن الخطاب ..
فسكت عمر ..
فقالوا : نشترط أن تدع لنا الطاغية ثلاث سنين .. ثم تهدمه بعدها إن شئت ..
فرأى النبي صلى الله عليه وسلم  أنهم يساومونه على أمر في العقيدة !! هو أصل من أصول الإسلام .. فما دام أنهم سيسلمون .. فما الداعي للتعلق بالصنم .. !!
فقال صلى الله عليه وسلم  : لا ..
قالوا : فدعه سنتين .. ثم اهدمه ..
قال : لا ..
قالوا : فدعه سنة واحدة ..
قال : لا ..
قالوا : فدعه شهراً واحداً !!
قال : لا ..
فلما رأوا أنه لم يستجب لهم في ذلك .. فالمسألة شرك وإيمان .. لا مجال فيها للمفاوضة !!
قالوا : يا رسول الله .. فتولَّ أنت هدمها .. أما نحن فإنا لن نهدمها أبداً ..
فقال صلى الله عليه وسلم  : سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها ..
فقالوا : والصلاة .. لا نريد أن نصلي .. فإننا نأنف أن تعلو إست الرجل رأسه !!
فقال صلى الله عليه وسلم  : أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك ..
وأما الصلاة .. فلا خير في دين لا صلاة فيه ..!!
فقالوا : سنؤتيكها .. وإن كانت دناءة ..
فكاتبوه على ذلك ..
وذهبوا إلى قومهم .. ودعوهم إلى الإسلام .. فأسلموا على مضض ..
ثم قدم عليهم رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  لهدم الصنم ..
فيهم خالد بن الوليد .. والمغيرة بن شعبة الثقفي ..
فتوجه الصحابة إلى الصنم ..
ففزعت ثقيف .. وخرج الرجال والنساء والصبيان ..
وجعلوا يرقبون الصنم .. وقد وقع في قلوبهم أنه لن ينهدم .. وأن الصنم سيمنع نفسه ..
فقام المغيرة بن شعبة .. فأخذ الفأس .. والتفت إلى الصحابة الذين معه وقال :
والله لأضحكنكم من ثقيف !!
ثم اقبل إلى الصنم .. فضرب الصنم بالفأس .. ثم سقط وجعل يرفس برجله ..
فصاحت ثقيف .. وارتجوا .. وفرحوا .. وقالوا : أبعد الله المغيرة .. قتلته الربة ..
ثم التفتوا إلى بقية الصحابة وقالوا :
من شاء منكم فليقترب ..
عندها قام المغيرة ضاحكاً .. وقال :
ويحكم يا معشر ثقيف .. إنما هي لكاع ( أي مزحة ) .. وهذا صنم .. حجارة ومدر .. فاقبلوا عافية الله واعبدوه ..
ثم أقبل يهدم الصنم .. والناس معه .. فما زالوا يهدمونها حجراً حجراً .. حتى سووها بالارض ..

وحْـيْ ..

"من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ، ومن طلب رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس "

69- الشجاعة ..


69- الشجاعة ..


قال لي بعدما خرجنا من الوليمة : تصدق كنت أعرف اسم الصحابي الذي تكلمتم عنه ..
قلت : عجباً !! ليش ما ذكرته .. وقد رأيتنا متحيرين ؟!
خفض رأسه وقال : خجلت أتكلم ..
قلت في نفسي : تباً للجُبن ..
وآخر كان يدرس في السنة الأخيرة من الثانوية ..
التقيت به يوماً فقال لي : قبل يومين دخلت الفصل .. فرأيت الطلاب واجمين .. والمدرس جالس على كرسيه .. بدون شرح ..
جلست وسألت الذي بجانبي : ما الخبر ؟!
قال : زميلنا عساف مات البارحة ..
كان في الفصل عدد من أصدقاء عساف .. تاركون للصلاة .. والغون في عدد من المحرمات ..
كان تأثير الخبر عليهم واضحاً .. حدثتني نفسي أن ألقي عليهم كلمة وعظية أحثهم فيها على الصلاة .. وبر الولدين .. وإصلاح النفس ..
قلت له : ممتااااز .. هل فعلت ؟
قال : بصراحة .. لا .. خجلت ..
سكت .. وكظمت غيظي وأنا أقول في نفسي : تباً للـجُبْن ؟!!
امرأة تسألها : لماذا لم تصارحي زوجك بالموضوع ؟
فتقول : أستحي !! خفت يزعل !! خفت يهجرني .. خفت ..
شاب تسأله : لـمَ لم تخبر أباك بالمشكلة قبل أن تتفاقم ؟!
فيقول : أخاف .. ما أتجرأ ..
أو ربما رفع أحدهم ضغطك بقوله : أستحي أبتسم .. أخجل أثني عليه ..
أخاف يقولون يجامل .. يستخف دمه ..
أسمع هذه التصرفات كثيراً .. فأتمنى أن أصرخ فيهم : يا جبناااااء .. إلى متى ؟!
الجبان لا يبني مجداً .. هو صفر على الشمال دائماً ..
إن حضر مجلساً تلحّف بـجُـبْنه ولم يشارك برأي .. أو ينطق بكلمة ..
وإن ذكروا نكتة ضحكوا وعلّقوا .. ولم يستطع أن يزيد على أن خفض رأسه وتبسم ..
وإن حضر مجلساً .. لم ينتبه أحد لوجوده ..
والأعظم من ذلك إن كان أباً .. أو زوجاً .. أو مديراً ..
أو حتى زوجة أو أماً ..
الناس يكرهون الجبان .. وليس له قدر ..
فعود نفسك على الشجاعة في الإلقاء ..
الشجاعة في النصح ..
الشجاعة في تطبيق مهارات التعامل مع الناس ..

وجهة نظر ..

عوّد نفسك ودربها .. وإنما النصر : صبر ساعة ..

68- الصدق ..


68- الصدق ..

أذكر أني كنت أراقب على الطلاب يوماً في قاعة الامتحان .. وكان الامتحان يوم خميس .. ومع أن يوم الخميس هو إجازة أصلاً إلا أننا اضطررنا أن نجعل فيه امتحاناً لزحمة المواد ..
بعد مضي ربع ساعة من بداية الامتحان .. أقبل أحد الطلاب متأخراً .. كان المسكين يبدو عليه الاضطراب الشديد ..
قلت له : عفواً .. أتيت متأخراً ولن أسمح لك بدخول الامتحان ..
فبدأ يرجوني أن أسمح له ..
قلت : ما الذي أخرك ؟!
قال : والله يا دكتور  .. راحت علي نومة !!
أعجبني صدقه .. وقلت تفضل .. فدخل وامتحن ..
بعده بدقائق أقبل طالب آخر .. قلت : ما أخرك ؟
قال : يا دكتور والله الطريق زححححمة .. تعرف الناس في الصباح طالعين لدواماتهم .. هذا رايح جامعته .. وهذا لشركته .. وهذا ..
وجعل يعدد عليَّ ليقنعني أن الطريق زحمة ..
ونسي المسكين أن اليوم إجازة للموظفين .. وربما ليس في الطرق إلا طلابنا !!
قلت له : يعني الشوارع زحمة .. والسيارات تملأ الطرق ؟
قال : إي والله يا دكتور كأنك ترى ..
قلت : يا شاطر !! إذا أردت أن تكذب فاضبط الكذبة .. يا أخي اليوم خمييييس .. يعني ما فيه دوامات .. من أين جاءت الزحمة ؟!!
قال : آه يا دكتور .. نسيت .. " بنشر علي الكفر " .. أي تعطلت إحدى إطارات السيارة فوقف لإصلاحها ..!!
كان المسكين مضطرباً متورطاً .. فضحكت ودخل ليمتحن ..
نعم .. ما أقبح أن يكتشف الناس أنك تكذب عليهم ..
الكذب ينفر الناس عنك .. ويفقدك المصداقية عندهم ..
ويجعلهم لا يثقون فيك ..
فلو وقعت لأحدهم مشكلة .. فلن يشكوها إليك ..
ولو تكلمت بشيء لن يسمعوه بتقبل ..
قال صلى الله عليه وسلم  : يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ()
وسئل صلى الله عليه وسلم  .. فقيل له : يا رسول الله .. أيكون المؤمن جباناً ؟
فقال : نعم ..
فقيل : أيكون المؤمن بخيلاً ؟
فقال : نعم ..
فقيل : أيكون المؤمن كذاباً ؟
فقال : لا .. ()
وقال عبد الله بن عامر رضي الله عنه :
دعتني أمي يوماً .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم  قاعد في بيتنا .. فقالت :
ها .. تعال أعطيك ..
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم  : وما أردت أن تعطيه ؟
قالت : أعطيه تمراً ..
فقال لها : أما إنك لو لم تعطيه شيئاً .. كتبت عليك كذبة ()
وكان صلى الله عليه وسلم  إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة .. لم يزل معرضاً عنه ..
في كثير من الأحيان يندفع بعض الناس إلى الكذب .. لأجل إظهار أنفسهم بصورة أكبر من الحقيقة ..
فتجده يكذب في بطولات يؤلفها .. ومواقف يخترعها ..
أو يزيد في القصص .. ليملّحها ..
أو يدعي أشياء عنده .. وهو كاذب .. فيتشبع بما لم يعط ..
أو تجد الكذاب يعد ويخلف ..
أو يتورط بأمور .. فيختلق أعذاراً متنوعة .. وسرعان ما يكتشف الناس كذبه فيها ..
وقف أحد العلماء أمام السلطان .. فشهد على شيء ..
فقال السلطان : كذبت ..
فصاح العالم : أعوذ بالله .. والله لو نادى منادٍ من السماء : إن الله أحلَّ الكذب .. لما كذبت .. فكيف وهو حرام !!

حقيقة ..

الكذب لون واحد كله أسود ..

67- الاهتمام بالمظهر ..



67- الاهتمام بالمظهر ..

كان أبو حنيفة جالساً يوماً بين طلابه في المسجد يدرس ..
وكان به ألم في ركبته .. وقد مد رجله .. واتكأ على جدار ..
في هذه الأثناء .. أقبل رجل عليه لباس حسن .. وعمامة حسنة .. ومظهر مهيب .. كان وقوراً في مشيته .. جليلاً في خطوته ..
أفسح له لطلاب حتى جلس بجانب أبي حنيفة ..
فلما رأى ابو حنيفة مظهره .. ورزانته .. ورتابة هيئته ,, استحى من طريقة جلسته وثنى رجله .. وتحمل ألم ركبته لأجله ..
استمر أبو حنيفة في درسه والرجل يسمع ..
فلما انتهى من الدرس ..
بدأ الطلاب يسألون .. فرفع ذلك الرجل يده ليسأل ..
التفت إليه الشيخ .. وقال : ما سؤالك ؟
فقال : يا شيخ .. متى وقت صلاة المغرب ؟
قال : إذا غربت الشمس .. !!
قال : وإذا جاء الليل والشمس لم تغرب .. فماذا نفعل ؟!
فقال أبو حنيفة : آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه .. ومد رجله كما كانت ..
وسكت عن هذا السؤال المتناقض !!.. إذ كيف يأتي الليل والشمس لم تغرب ؟!!
يقولون إن النظرة الأولى إليك تكوِّن في ذهن المقابل أكثر من 70% من تصوره عنك ..
ويبدو أنه عند التأمل ستجد أن النظرة الأولى تكون أكثر من 95% عنك .. حتى تتكلم .. أو تعرِّف بنفسك ..
ولو مشيت في ممر في مستشفى أو شركة وبجانبك شخص عليه ثياب حسنة .. وعليه وقار في مشيته .. لرأيت أنك – ربما لا شعورياً – إذا وصلت إلى باب في الممر التفتَّ إليه وقلت له : تفضل .. طال عمرك !!
ولو ركبت سيارة أحد أصدقائك فرأيتها فوضى .. هنا فردة حذاء مرمي .. وهنا روق شاورما .. وهما منديل .. وأشرطة كاسيت متناثرة ..
لكونت فكرة عن الشخص مباشرة أنه فوضوي .. غير مبال بالترتيب ..
وكذلك في لباس الناس .. ومظهرهم العام ..
والذي أعنيه هنا هو الاهتمام بالمظهر لا الإسراف في اللباس أو السيارة .. أو الأثاث .. أوغيرها ..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعتني بهذه النواحي كثيراً ..
فكان له حلة حسنة يلبسها في العيدين والجمعة ..
وكانت له حلة يلبسها في استقبال الوفود ..
كان يعتني بمظهره ورائحته ..
وكان يحب الطيب ..
قال أنس رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم   .. أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ .. إذا مشا تكفأ ..
وما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم   ..
ولا شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة النبي صلى الله عليه وسلم   .. وكانت يدُه مطيبةً كأنما أخرجت من جؤنة عطار ..
وكان صلى الله عليه وسلم   .. يعرف بريح الطيب إذا أقبل ..
وقال أنس رضي الله عنه  ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم   لا يرد الطيب ) ..
قال أنس : ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم  ..
وكان صلى الله عليه وسلم   أحسن الناس وجهاً .. كان وجهه مستنيراً كالشمس ..
وكان إذا سُرّ استنـار وجهه .. حتى كأن وجهه قطعة قمر ..
قال جابر بن سمرة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  في ليلة مضيئة مقمرة ..
فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم   وإلى القمر .. وعليه حلة حمراء .. فإذا هو عندي أحسن من القمر ..
وكان يأمر المسلمين بذلك يأمر المسلمين بمراعاة المظهر ..
عن أبي الأحوص عن أبيه رضي الله عنه  .. قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم  وعليّ ثوب دون  ( أي ردئ ) ..
فقال صلى الله عليه وسلم  : ألك مال ؟ قلت : نعم ..
قال : من أي المال ؟ قلت : من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق ..
فقال صلى الله عليه وسلم   : فإذا آتاك الله مالاً .. فلُيرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه ..
وقال صلى الله عليه وسلم  : ( من أنعم الله عليه نعمة .. فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) .
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال :
أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. زائراً في منزلنا فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره ..
فقال : أما كان يجد هذا ما يُسكن به شعره ؟
ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال : أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه ؟ ..
وقال : ( من كان له شعر فليكرمه ) ..
وكان يحرّص على حسن السمت .. وجمال الشكل .. واللباس .. وطيب الرائحة ..
وكان يردد في الناس قائلاً : ( إن الله جميل يحب الجمال ) () ..

تجربة ..

النظرة الأولى إليك تطبع في ذهن المقابل 70% من تصوره عنك ..


66- أخرجهم من الحفرة ..


66- أخرجهم من الحفرة ..

ألم يقع مرة أن أحرجك شخص في مجلس عام بكلمة جارحة ..
أو ربما سخر منك .. بأي شيء وإن كان صغيراً .. بلباسك أو كلامك .. أو أسلوبك ..
فدافع عنك شخص ما .. فشعرت بامتنان عظيم له .. لأنه كأنما أمسك بطرف ثوبك عندما دفعك غيرك إلى هاوية ..
مارس هذه المهارة مع الآخرين .. وسترى لها تأثيراً ساحراً ..
لو دخلت على شخص وأقبل ولده يحمل طبقاً في طعام .. لكنه استعجل قليلاً .. فكاد أن يقع الطبق على الأرض .. فانطلق الأب عليه ثائراً .. لماذا العجلة ؟ كم مرة أعلمك ؟ ..
فاحمرَّ وجه الولد واصفرَّ ..
فقلت أنت : لا .. بل فلان بطل .. رجُل .. ما شاء الله عليه يحمل كل هذا لوحده .. ولعله استعجل لأن فيه أغراض أخرى أيضاً ..
أي امتنان سيشعر به الغلام لك ..
هذا مع الصغار .. فما بالك مع الكبار ..
لو أثنيت على زميل في اجتماع .. بعدما صبوا عليه وابلاً من اللوم ..
أو أثنيت على أحد إخوانك .. بعدما انكب الإراد الأسرة عليه معاتبين ..
شاب أحرجه شخص بسؤال أمام الناس : بَشَّرْ يا فلان .. كم نسبتك في الجامعة ؟!
بالله عليك .. هل هذا سؤال يسأله عاقل أمام الناس ؟!!
فانقلب وجه الشاب متلوناً .. فأنقذته قائلاً بلطف : ليش يا أبا فلان .. ستزوجه ؟!! أو عندك وظيفة له ؟ أو ..
فضحكوا ونُسي السؤال ..
أو لو عاتبه على دنوِّ معدله الدراسي .. فقلت : يا أخي لا تلمه .. تخصصه صعب .. لكن سيشد حيله إن شاء الله ..
كسب محبة الناس فرص يقتنصها الأذكياء ..
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون
كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم   ..
فمرا بشجرة فأمره النبي أن يصعدها ويحتزَّ له عوداً يتسوك به ..
فرقى ابن مسعود وكان خفيفاً .. نحيل الجسم .. فأخذ يعالج العود لقطعه ..
فأتت الريح فحركت ثوبه وكشفت ساقيه .. فإذا هما ساقان دقيقتان صغيرتان ..
فضحك القوم من دقة ساقيه ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم  : ممّ تضحكون ؟! .. من دقة ساقيه ؟!
والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد .. ()

وجهة نظر ..

كسب محبة الناس فرص يقتنصها الأذكياء ..

65- العبادة الخفية ..


65- العبادة الخفية ..

قبل عشر سنوات .. في أيام ربيع .. وفي ليلة باردة كنت في البر مع أصدقاء ..
تعطلت إحدى السيارات .. فاضطررنا إلى المبيت في العراء ..
أذكر أنا أشعلنا ناراً تحلقنا حولها .. وما أجمل أحاديث الشتاء في دفء النار ..
طال مجلسنا فلاحظت أحد الإخوة انسلَّ من بيننا ..
كان رجلاً صالحاً .. كانت له عبادات خفية ..
كنت أراه يتوجه إلى صلاة الجمعة مبكراً .. بل أحياناً وباب الجامع لم يفتح بعد ..!!
قام وأخذ إناءً من ماء ..
ظننت أنه ذهب ليقضي حاجته ..
أبطأ علينا .. فقمت أترقبه .. فرأيته بعيداً عنا .. قد لف جسده برداء من شدة البرد وهو ساجد على التراب .. في ظلمة .. يتملق ربه ويتحبب إليه ..
أيقنت أن لهذه العبادة الخفية .. عِزاً في الدنيا قبل الآخرة ..
مضت السنوات ..
وأعرفه اليوم .. قد وضع الله له القبول في الأرض ..
له مشاركات في الدعوة .. وهداية الناس ..
إذا مشى في السوق أو المسجد .. رأيت الصغار قبل الكبار يتسابقون إليه .. مصافحين .. ومحبين ..
كم يتمنى الكثيرون من تجار .. وأمراء .. ومشهورين .. أن ينالوا في قلوب الناس من المحبة مثل ما نال ..
ولكن هيهاااات ..
أأبيت سهران الدجى .. وتبيته *** نوماً ! وتبغي بعد ذاك لحاقي ؟
نعم .. ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُداً ) .. أي يجعل لهم محبة في قلوب الخلق ..
إذا أحبك الله جعل لك القبول في الأرض ..
قال صلى الله عليه وسلم  : إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل .. فقال :
إني قد أحببت فلاناً فأحبه ..
قال : فيحبه جبريل ..
ثم يُنادى في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه ..
فيحبه أهل السماء ..
قال : ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض ..
فذلك قول الله " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّاً " ..
وإذا أبغض الله عبداً .. نادى جبريل : إني أبغضت فلاناً فأبغضه .. فيبغضه جبريل .. ثم يُنادى في أهل السماء : إن الله يبغض فلاناً فأبغضه ..
فيبغضه أهل السماء ..
ثم تنزل له البغضاء في الأرض .. () ..
قال الزبير بن العوام رضي الله عنه : من استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل ..
والعبادة الخفية أنواع ..
منها .. الحفاظ على صلاة الليل .. ولو ركعة واحدة وتراً كل ليلة .. تصليها بعد العشاء مباشرة .. أو قبل أن تنام .. أو قبل الفجر .. لتكتب عند الله من قوام الليل ..
قال صلى الله عليه وسلم  : إن الله وتر يحب الوتر .. فأوتروا يا أهل القرآن ..
ومنها .. السعي في الإصلاح بين الناس .. بين الزملاء المتخاصمين .. بين الجيران .. بين الزوجين ..
قال صلى الله عليه وسلم  : الا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟
قالوا : بلى ..
قال : إصلاح ذات البين .. وفساد ذات البين هي الحالقة ()
ومنها الإكثار من ذكر الله ..
فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره ..
وفي الحديث .. قال صلى الله عليه وسلم  : ألا أنبئكم بخير أعمالكم .. وأزكاها عند مليككم .. وأرفعها في درجاتكم .. وخير لكم من إعطاء الذهب والورق .. وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ..؟
قالوا : بلى .. وما ذاك يا رسول الله ؟
قال : ذكر الله عز وجل () ..
ومنها .. صدقة السر .. فصدقة السرّ تطفئ غضب الرب ..
كان أبو بكر رضي الله عنه إذا صلى الفجر خرج إلى الصحراء .. فاحتبس فيها شيئاً يسيراً .. ثم عاد إلى المدينة ..
فعجب عمر رضي الله عنه من خروجه .. فتبعه يوماً خفية بعدما صلى الفجر ..
فإذا أبو بكر يخرج من المدينة ويأتي على خيمة قديمة في الصحراء .. فاختبأ له عمر خلف صخرة ..
فلبث أبو بكر في الخيمة شيئاً يسيراً .. ثم خرج ..
فخرج عمر من وراء صخرته ودخل الخيمة .. فإذا فيها امرأة ضعيفة عمياء .. وعندها صبية صغار ..
فسألها عمر : من هذا الذي يأتيكم ..
فقالت : لا أعرفه .. هذا رجل من المسلمين .. يأتينا كل صباح .. منذ كذا وكذا ..
قال فماذا يفعل : قالت : يكنس بيتنا .. ويعجن عجيننا .. ويحلب داجننا .. ثم يخرج ..
فخرج عمر وهو يقول : لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر .. لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر ..
*   *   *   *   *   *   *   *
ولم يكن عمر رضي الله عنه بعيداً في تعبده وإخلاصه عن أبي بكر ..
فقد رآه طلحة بن عبيد الله ..
خرج في سواد الليل .. فدخل بيتاً ثم .. خرج منه ودخل بيتاً آخر .. فعجب طلحة .. ماذا يفعل عمر في هذه البيوت !!
فلما أصبح طلحة ذهب إلى البيت الأول..فإذا عجوز عمياء مقعدة..
فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟
قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا .. يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ..
فخرج طلحة وهو يقول: ثكلتك أمك يا طلحة..أعثراتُ عمرَ تتبع؟
*   *   *   *   *   *   *   *
وخرج مرة رضي الله عنه إلى ضواحي المدينة .. فإذا برجل عابر سبيل نازل وسط الطريق .. وقد نصب خيمة قديمة .. وقعد عند بابها .. مضطربَ الحال .. فسأله عمر : من الرجل ؟
قال : من أهل البادية .. جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله ..
فسمع عمر أنين امرأة داخل الخيمة .. فسأله عنه ؟
فقال : انطلق رحمك الله لحاجتك ..
قال عمر : هذا من حاجتي ..
فقال : امرأتي في الطلق - يعني تلد - وليس عندي مال ولا طعام ولا أحد ..
فرجع عمر إلى بيته سريعاً .. فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي : هل لك في خير ساقه الله إليك ؟
قالت : وما ذاك .. فأخبرها بخبر الرجل .. فحملت امرأته معها متاعاً .. وحمل هو جراباً فيه طعام .. وقدراً وحطباً .. ومضى إلى الرجل ..
ودخلت امرأة عمر على المرأة في خيمتها ..
وقعد هو عند الرجل .. فأشعل النار وأخذ ينفخ الحطب .. ويصنع الطعام .. والدخان يتخلل لحيته .. والرجل قاعد ينظر إليه ..
فبينما هو على ذلك .. إذ صاحت امرأته من داخل الخيمة .. يا أمير المؤمنين .. بشر صاحبك بغلام ..
فلما سمع الرجل .. أمير المؤمنين .. فزع وقال : أنت عمر بن الخطاب .. قال : نعم .. فاضطرب الرجل .. وجعل يتنحى عن عمر.. فقال له عمر : مكانك ..
ثم حمل عمر القدر .. وقربه إلى الخيمة وصاح بامرأته .. أشبعيها ..
فأكلت المرأة من الطعام .. ثم أخرجت باقي الطعام خارج الخيمة ..
فقام عمر فأخذه فوضعه بين يدي الرجل .. وقال له : كل .. فإنك قد سهرت من الليل ..
ثم نادى عمر امرأته فخرجت إليه ..
فقال للرجل : إذا كان من الغد .. فأتنا نأمر لك بما يصلحك ..
*   *   *   *   *   *   *   *
وكان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل .. فيتصدق بها..ويقول : إن صدقة السر تطفىء غضب الرب ..
فلما مات وجدوا في ظهره آثار سواد .. فقالوا : هذا ظهر حمال .. وما علمناه اشتغل حمالاً ..
فانقطع الطعام عن مائة بيت في المدينة .. من بيوت الأرامل والأيتام .. كان يأتيهم طعامهم بالليل .. لا يدرون من يحضره إليهم .. فعلموا أنه الذي ينفق عليهم ..
وصام أحد السلف عشرين سنة .. يصوم يوماً ويفطر يوماً .. وأهله لا يدرون عنه .. كان له دكان يخرج إليه إذا طلعت الشمس ويأخذ معه فطوره وغداءه .. فإذا كان يوم صومه تصدق بالطعام .. وإذا كان يوم فطره أكله ..
فإذا غربت الشمس .. رجع إلى أهله وتعشى معهم ..
نعم .. كانوا يستشعرون العبودية لله في جميع أحوالهم ..
هم المتقون .. والله يقول : } إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا { ..
فاطلب محبة الخالق .. وهو يتكفل بزرع محبتك في قلوب خلقه ..

إضاءة ..

ليس الغاية أن تكون ظواهر الآخرين تحبك .. إنما الغاية أن تحبك بواطنهم أيضاً ..

64- الـتـواضـع ..


64- الـتـواضـع ..

كنت في مجلس فيه عدد من الوجهاء ..
فتحدث أحد من رآه استغنى ! وقال في أثناء حديثه :
.. ومررت بأحد العمال .. فمدّ يده ليصافحني .. فترددت ثم مددت يدي وصافحته ..
ثم قال : مع أني لا أعطي يدي لأي أحد ..
ما شاء الله يقول : لا أعطي يدي لأي أحد ..
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. فكانت الأمة المملوكة الضعيفة .. تلقاه في وسط الطريق .. فتشتكي إليه من ظلم أهلها .. أو كثرة شغلها .. فيجعل يده في يدها .. فينطلق معها إلى أهلها ليشفع لها ..
وكان يقول : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ..
كم سمعنا الناس يرددون : يا أخي .. فلان متكبر .. فلان "شايف نفسه " ..
وتسأله : لماذا لم تستعن بجارك في كذا ؟ فيقول : فلان متكبر علينا .. ما يعطينا وجه !!
كم هم مبغوضون أولئك الذين يتكبرون على الناس .. ويعاملونهم باستعلاء ..
كم هو منبوذ .. ذاك الذي يطغى أن رآه استغنى ..
ذاك الذي يصعر خده للناس ويمشي في الأرض مرحاً ..
ذاك الذي يتكبر على العمال .. والخدام .. والفقراء ..
يتكبر عن محادثتهم .. ومصافحتهم .. ومجالستهم ..
لما دخل صلى الله عليه وسلم  مكة فاتحاً .. جعل يمر بطرقات مكة التي طالما أوذي فيها .. واستُهزئ به ..
كم سمع في طرقاتها .. يا مجنون .. ساحر .. كاهن .. كذاب ..
وهو اليوم يدخلها قائداً عزيزاً .. ممكناً .. قد أذل الله أهلها بين يديه ..
فكيف كان شعوره وهو داخل ؟
قال عبد الله بن أبي بكر :
لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى ذي طوى .. وقف على راحلته معتجراً بقطعة برد حمراء ..
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليضع رأسه تواضعاً لله .. حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح .. حتى إن عثنونه ( طرف لحيته ) ليكاد يمس واسطة الرحل ..
وقال أنس : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم  مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعاً ..
وقال ابن مسعود : أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فكلمه في شيء .. فأخذته الرعدة ..
فقال صلى الله عليه وسلم  : هون عليك .. فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد .. ( اللحم الـمجفف ) ..
وكان صلى الله عليه وسلم  يقول : أجلس كما يجلس العبد .. وآكل كما يأكل العبد ..
نعم ..
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر
                            على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكُ كالدخان يعلو بنفسه
                           على طبقات الجوّ وهو رفيع

باختصار ..

من تواضع لله رفعه .. وما زاد الله عبداً بالتواضع إلا عزاً ..

63- من ركل القطة ؟!

63- من ركل القطة ؟!

قبل أن تجيب على السؤال .. اسمع القصة كاملة ..
كان يعمل سكرتيراً لمدير سيء الأخلاق .. لا يطبق مهارة واحدة من مهارات التعامل مع الناس ..
كان هذا المدير يراكم الأعمال على نفسه .. ويحملها ما لا تطيق ..
صاح بسكرتيره يوماً .. فدخل ووقف بين يديه ..
قال : سَمْ .. تفضل ؟
صرخ به : اتصلت بهاتف مكتبك .. ولم ترد ..
قال : كنت في المكتب المجاور .. آسف ..
قال بضجر : كل مرة آسف .. آسف .. خذ هذه الأوراق .. ناولها لرئيس قسم الصيانة .. وعد بسرعة ..
مضى متضجراً .. وألقاها على مكتب رئيس قسم الصيانة .. وقال : لا تؤخرها علينا ..
قال : طيب ضعها بأسلوب مناسب ..
قال : مناسب .. غير مناسب .. المهم خلصها بسرعة ..
تشاتما .. حتى ارتفعت أصواتهما ..
ومضى السكرتير إلى مكتبه ..
بعد ساعتين أقبل أحد الموظفين الصغار في الصيانة .. إلى رئيسه وقال : سأذهب لأخذ أولادي من المدرسة وأعود ..
صرخ الرئيس : وأنت كل يوم تخرج ..
قال : هذا حالي من عشر سنوات .. أول مرة تعترض عليَّ ..
قال : أنت ما يصلح معك إلا العين الحمراء .. ارجع لمكتبك ..
مضى المسكين إلى مكتبه .. وتولى أحد المدرسين إيصالهم .. لما طال وقوفهم في الشمس ..
عاد هذا الموظف إلى بيته غاضباً .. فأقبل إليه ولده الصغير معه لعبة .. وقال :
بابا .. هذه أعطانيها المدرس لأنني ..
صاح به الأب : اذهب لأمك .. ودفعه بيده ..
مضى الطفل باكياً .. فأقبلت إليه قطته الجميلة تتمسح برجليه كالعادة .. فركلها برجله فضربت بالجدار ..
السؤال : من ركل القطة ؟
أظنك .. تبتسم .. وتقول : المدير ..
صحيح المدير ..
لماذا لا نتعلم فنَّ توزيع الأدوار ..
والأشياء التي لا نقدر عليها نقول بكل شجاعة .. هذه ليست في أيدينا .. لا نقدر ..
خاصة أن تصرفاتك قد يتعدى ضررها إلى أقوام لم يكونوا طرفاً في المشكلة أصلاً ..
وانتبه أن يستثيرك الآخرون .. ويحرجونك فتضطر لوعود .. قد لا تستطيع تنفيذها ..
انتقل معي إن شئت إلى المدينة .. وانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقد جلس في مجلسه المبارك .. بعدما انتشر الدين .. ووُحِّد رب العالمين ..
جعل رؤساء القبائل يأتون إليه مذعنين مؤمنين .. ومنهم من كانوا يأتون صاغرين حاقدين ..
وفي يوم أقبل رئيس من رؤساء العرب .. له في قومه ملك ومنعه ..
أقبل عامر بن الطفيل .. وكان قومه يقولون له لما رأوا انتشار الإسلام : يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم .. وكان متكبراً كتغطرساً ..
فكان يقول لهم : والله لقد كنت أقسمت ألا أموت حتى تملِّكني العرب عليهم وتتبعَ عقبي .. فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش !!
ثم لما رأى تمكن الإسلام .. وانصياع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم  .. ركب ناقته مع بعض أصحابه ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  ..
دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو بين أصحابه الكرام ..
فلما وقف بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا محمد خالني .. أي قف معي على انفراد ..
وكان صلى الله عليه وسلم  حذراً من أمثال هؤلاء .. فقال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده ..
فقال : يا محمد خالني ..
فأبى النبي صلى الله عليه وسلم  .. فلا زال يكرر .. يا محمد قم معي أكلمْك .. يا محمد قم معي أكلمْك ..
حتى قام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. فاجتر عامر إليه أحد أصحابه اسمه إربد .. وقال : إني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاضربه بالسيف .. فجعل إربد يده على سيفه واستعد ..
فانفرد الاثنان إلى الجدار .. ووقف معهما رسول الله صلى الله عليه وسلم  يكلم عامراً .. وقبض أربد بيده على السيف .. فكلما أراد أن يسله يبست يده .. فلم يستطع سل السيف ..
وجعل عامر يشاغل رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. وينظر إلى إربد .. وإربد جامد لا يتحرك ..
فالتفت صلى الله عليه وسلم  فرأى أربد وما يصنع ..
فقال : يا عامر بن الطفيل .. أسلم ..
فقال عامر : يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت ؟
فقال صلى الله عليه وسلم  لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ..
قال عامر : أتجعل لي الملك من بعدك إن أسلمت ؟
لم يشأ النبي صلى الله عليه وسلم  أن يعد عامراً بوعد قد لا يتحقق ..
فكان صريحاً جريئاً معه .. وقال : ليس ذلك لك ولا لقومك ..
فخفف عامر الطلب قليلاً .. وقال : أسلم على أن لي الوبر ولك المدر .. أي أكون ملكاً على البادية وأنت على الحاضرة ..
فإذا به صلى الله عليه وسلم  .. أيضاً لا يريد أن يلزم نفسه بوعود .. لا يدري تتحقق أم لا .. فقال : لا ..
عندها غضب عامر وتغير وجهه .. وصاح بأعلى صوته :
والله يا محمد .. لأملأنها عليك خيلاً جرداً .. ورجالاً مرداً .. ولأربطن بكل نخلة فرساً ..
ولأغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء ..
ثم خرج يزبد ويرعد ..
فجعل صلى الله عليه وسلم  ينظر إليه وهو مولٍّ ..
ثم رفع صلى الله عليه وسلم  بصره إلى السماء وقال : اللهم اكفني عامراً .. واهْدِ قومه ..
خرج عامر مع أصحابه حتى إذا فارق المدينة .. تعب من المسير .. فصادف امرأة من قومه يقال لها سلولية وكانت في خيمة لها .. وكانت امرأة فاجرة .. يذمها الناس ويتهمون من دخل بيتها ..
فلم يجد مأوى آخر .. فنزل عن فرسه مضطراً ونام في بيتها ..
فاخذته غدة وانتفاخ في حلقه كما يظهر في أعناق الإبل فيقتلُها .. ففزع واضطرب ..
وجعل يتلمس الورم ويقول : غدة كغدة البعير .. وموت في بيت سلولية ..
أي : لا موت يشرّف .. ولا مكان يشرّف ..
كان يتمنى أن يموت في ساحة قتال .. بسيوف الأبطال .. فإذا به يموت بمرض حيوانات .. في بيت فاجرة !!
تباً .. للذل والمهانة ..
فأخذ يصيح بهم : قربوا فرسي ..
فقربوه .. فوثب على فرسه .. وأخذ رمحه .. وصار يجول به الفرس ..
وهو يصيح من شدة الألم .. ويتحسس عنقه بيده ويقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ..
فلم تزل تلك حاله يدور به فرسه .. حتى سقط عن فرسه ميتاً ..
تركه أصحابه .. ورجعوا إلى قومهم ..
فلما دخلوا ديارهم .. أقبل الناس إلى إربد يسألونه : ما وراءك يا أربد ؟
فقال : لا شيء .. والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء .. لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله ..
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له ليبيعه .. فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما ..
وأنزل الله عز وجل في حال عامر وأربد : " اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ *
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *
سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ *
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ *
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ *
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ *
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ " ..
نعم .. لا تلتزم إلا بما تثق أنه يمكنك الوفاء به .. بعون الله ..
قام صلى الله عليه وسلم  مرة خطيباً في الناس .. فتكلم عن الآخرة وأحوالها .. ثم صاح قائلاً : يا فاطمة بنت محمد .. سليني من مالي ما شئت .. فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ..
وأخيراً ..
مع التأكيد على أهمية عدم الالتزام بالشيء إلا وأنت قادر عليه .. إلا أنه ينبغي عند الاعتذار أن نستعمل أسلوباً ذكياً ..
فمثلاً : جاء إليك لتبحث لأخيه عن وظيفة .. لأن أباك مسئول كبير .. أو أخاك .. أو أنت ..
فاعتذر بأسلوب يحفظ ماء وجهه ويجعله يشعر أنك تشاركه الهم .. قل – مثلاً - :
يا فلان .. أنا أشعر بمعاناتك .. وأخوك أعتبره أخي .. ولئن كان إخواني خمسة فهو السادس .. لكن المشكلة أنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً الآن .. فاعذرني .. وأسأل الله أن يوفق أخاك ..
مع بتسامة لطيفة .. وتعبيرات وجه مناسبة ..
فكأنك بهذا الرد الجميل قضيت له ما يريد .. أليس كذلك ..؟

وجهة نظر ..

كن صريحاً مع نفسك .. جريئاً مع الناس .. واعرف قدراتك والتزم بحدودها ..

61- قضاء الحاجات .. 62- لا تتكلف ما لا تطيق !!


61- قضاء الحاجات ..

لما بدأتُ في دراسة الماجستير .. اطلعت على عدد  أوسع من كتب الفرق والطوائف ..
من بين هذه المذاهب .. المذهب البراجماتي .. bragmatizem
وترجمته بالعربية : المذهب النفعي ..
لما تبحرت في دراسة هذا المذهب أدركت لماذا كنا نسمع في أوروبا وأمريكا .. أنه في كثير من الأحيان يهجر الابن أباه .. وإذا قابله في مطعم فكل واحد منهما يحاسب عن نفسه ..
فعلاً .. مادام أني لن أستفيد منك فلماذا أخدمك ؟!
لماذا أنفق مالي ؟! واصرف وقتي ؟! وأبذل جهدي ؟! دون مردود مادي يعود علي ..
الإسلام قلب هذا الميزان ..
فقال الله ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) .
وقال صلى الله عليه وسلم  : ( لئن امشي مع اخي في حاجة حتى أثبتها له .. أحب إليَّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً ) ..
ومن كان في حاجة أخيه .. كان الله في حاجته ..
وكان صلى الله عليه وسلم  يمشي في الطريق فتوقفه الجارية وتقول : لي إليك حاجة .. فيقف معها حتى يسمع حاجة .. وقد يمضي معها إلى بيت سيدها ليقضيها لها ..
بل كان صلى الله عليه وسلم   يخالط الناس ويصبر على أذاهم ..
كان يعاملهم بنفس رحيمة .. وعين دامعة .. ولسان داع .. وقلب عطوف ..
كان يشعر أنه هو وهم .. جسد واحد .. يشعر بفقر الفقير .. وحزن الحزين .. ومرض المريض .. وحاجة المحتاج ..
انظر إليه صلى الله عليه وسلم   .. وقد جلس في مسجده يحدث أصحابه ..
فإذا به يرى سواداً مقبلاً عليه من بعيد ..
نظر إليهم .. فإذا هم قوم فقراء أقبلوا عليه من مضر .. من قبل نجد ..
ومن شدة فقرهم قد اجتابوا النمار ..
يعني يملك أحدهم قطعة قماش فلا يجد ثمن الإبرة والخيط .. فيخرق القماش من وسطه ثم يخرج رأسه ويسدل باقيه على جسده ..
أقبلوا قد اجتابوا النمار .. وتقلدوا السيوف .. وليس عليهم أزر ولا شيء غيرُها .. لا عمامة ولا سراويل ولا رداء ..
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم   الذي بهم من الجهد والعري والجوع .. تغير وجهه ..
ثم قام .. فدخل بيته .. فلم يجد شيئاً يتصدق به عليهم ..
فخرج .. ودخل بيته الآخر .. وخرج .. يبحث .. يلتمس شيئاً لهم .. فلم يجد ..
ثم راح إلى المسجد .. فصلى الظهر .. ثم صعد منبره ..
فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال :
أما بعد .. فإن الله عز وجل .. أنزل في كتابه : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ..
ثم قرأ ..
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ..
وجعل يتلوا الآيات والمواعظ .. ثم صاح بهم .. وقال :
تصدقوا قبل أن لا تصدقوا .. تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ..
تصدق امرؤ من ديناره .. من درهمه .. من بره .. من شعيره .. ولا يحقرن أحدكم شيئاً من الصدقة .. وجعل يعدد أنواع الصدقات  حتى قال :
ولو بشق تمرة ..
فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه .. فناولها رسول الله  صلى الله عليه وسلم   وهو على منبره ..
فقبضها رسول الله  صلى الله عليه وسلم   يعرف السرور في وجهه ..
وقال : من سن سنة حسنة .. فعمل بها كان له أجرها .. ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء ..
ومن سن سنة سيئة .. فعمل بها .. كان عليه وزرها .. ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء ..
فقام الناس .. فتفرقوا إلى بيوتهم .. وجاءوا بصدقات .. فمن ذي دينار .. ومن ذي درهم ..
ومن ذي تمر .. ومن ذي ثياب ..
حتى اجتمع بين يديه صلى الله عليه وسلم   كومان .. كوم من طعام .. وكوم من ثياب ..
فلما رأى صلى الله عليه وسلم   ذلك تهلل وجهه حتى كأنه فلقة من قمر ..
ثم قسمه بين الفقراء .. رواه مسلم ..
ولما سئلت عائشة عن حاله صلى الله عليه وسلم  في بيته .. قالت :
كان يكون في حاجة أهله .. أو في مهنة أهله ..
أفلا تجعل من طرق دخولك إلى قلوب الناس .. قضاء حاجاتهم ..
احتاج شخص إلى مستشفى .. فأوصلته إليه ..
استعان بك في مشكلة فأعنته عليها ..
يراك تقضي حاجته .. وتقف معه في كربته .. وهو يعلم أنك لا ترجو من ذلك جزاء ولا شكوراً ..
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
                              فطالما استعبد الإنسان إحسان

رؤية ..

من عاش لغيره فسيعيش متعباً .. لكنه سيحيا كبيراً .. ويموت كبيراً ..

62- لا تتكلف ما لا تطيق !!

كان صاحبي من خيار الناس .. خلقاً .. وديناً .. وعقلاً ..
كان إمام مسجد بجانب بيته ..
لكني كنت أسمع ذمه على ألسنة أناس كثيرين ..
كنت أتعجب من ذلك .. ولا أجد له جواباً ..
حتى جاءني يوماً جاره .. قال : يا شيخ .. صاحبك .. لا يصلي بنا .. ولا معنا !!
قلت : لم ؟!!
قال : لا أدري .. لكنه هو الإمام .. ومع ذلك يغيب كثييييراً عن المسجد ..
فجعلت ألتمس له الأعذار .. فقلت : لعله مشغول بأمر ضروري .. لعله غير موجود بالبيت ..
قال : يا شييييخ .. سيارته واقفة عند الباب .. وأنا متأكد أنه في بيته ..
جعلت أتقصى السبب لنصح صاحبي ..
حتى وجدت السبب ..
الرجل بحكم إمامته للمسجد ..
يأتي إليه الناس ويلتمسون منه الإعانة في حاجاتهم ..
هذا عليه دين يريد أن يبحث له عمن يسدده ..
وهذا متخرج من الثانوية ويريد شفاعة لدخول الجامعة ..
وهذا مريض يريد إعانته على دخول المستشفى الفلاني ..
وهذا عنده بنات كبار ويريد لهن أزواج ..
وهذا عليه أيجار لبيته لم يسدده ..
وهذا أعطاه ورقة استفتاء في طلاق ليذهب بها للمفتي العام ..
وهذا ..
وهو رجل عادي ليس له قدرات كبيرة ولا علاقات الواسعة .. ولا وجاهة متميّزة ..
وكان المسكين يغلبه الحياء والخجل من كل أحد .. فلا يقدر أن يعتذر من أحد أبداً ..
بل يأخذ معروض هذا ويعده بسداد دينه ..
ويكتب رقم هاتف الثاني .. ويعده أن يقبل في الجامعة ..
ويقول للثالث : تعال بعد يومين وتجد ورقة دخول المستشفى جاهزة ..
وهكذا دواليك ..
فيأتونه على الموعد .. ويعتذر .. ويعطيهم مواعيد أخرى ..
حتى صار يتهرب منهم .. ولا يرد على هاتفه .. بل وأحياناً لا يخرج من بيته ..!!
وصار من يلقاه منهم .. إن وجده .. يسبه ويصرخ به .. ويردد : طيب لماذا تعدني .. لماذا تجعلني أبني الآمال عليك ..
والثاني يقول : لم أكلم إلا أنت .. وتركت غيرك لما وعدتني ..
لما عرفت حاله .. أيقنت أنه حفر لنفسه حفرة .. ثم تردى فيها ..
سمعته مرة يعتذر من أحدهم .. ويقول :
آسف .. لم أستطع أن أفعل شيئاً في موضوعك ..
وذاك يقول بكل قوة : طيب أنت ضيعت الوقت عليَّ .. ليتك أخبرتني من قبل ..
تذكرت عندها قول الحكيم : الاعتذار في البداية خير من الاعتذار في النهاية ..
ما أجمل أن يعرف المرء قدراته .. ويتحرك في حدود الدائرة المرسومة حوله ..
ولقد جربت ذلك بنفسي ..
أذكر أني ألقيت محاضرة في أحد المجمعات العسكرية بالرياض ..
وبعدها جاءني أحدهم وقال : يا شيخ أريدك في موضوع ضروري جداً ..
قلت : تفضل .. ما هو ؟
قال : لا .. ما يصلح أن أذكره الآن .. لا بدّ أن أقابلك في وقت واسع ..
جعل يُعَظّم حجم الموضوع وأنا أستمع له بلطف .. لكني قد علمتني الحياة أن أكثر الناس يعطون الأمور أكبر من حجمها .. وصاحب الحاجة مجنون بها حتى تقضى ..
قال لي : أظن لك محاضرة غداً في مدينة كذا .. وهي مدينة على بعد 200كم من الرياض ..
قلت : صحيح ..
قال : سآتي إليك هناك .. وأقابلك بعد المحاضرة ..
تعجبت من حرصه ..
وفعلاً .. خرجت بعد المحاضرة فخرج الرجل وراءي مسعاً حافي القدمين .. يحمل ورقة صغيرة في يده ..
وقفت معه جانباً .. قلت : تفضل .. شكر الله حرصك .. ما حاجتك ؟
قال : يا شيخ .. عندي أخ يحمل الشهادة الابتدائية .. وأريدك أن تدبر له وظيفة ..
قلت : بس ؟!!
قال : بس ؟!!
كان الرجل متحمساً .. ومنظره يثير الشفقة .. ويبدو أن أخاه يمر بظروف صعبة فعلاً ..
أيقنت أني لو وعدته سأخلف .. فنحن في زمن لا يكاد حامل البكالوريوس أن يجد وظيفة .. فضلاً عن حامل الابتدائية .. وأنا أعرف حدود قدراتي ..
قلت : يا أخي .. والله أتمنى أن أساعدك .. وأخوك أخي .. وأنا أتألم له كما تتألم ..
لكني لا أستطيع مساعدتك أبداً .. أتمنى أن تتكرم عليَّ وتعفيني ..
قال : يا شيخ .. حاول ..
قلت : لاااا أقدر ..
فناولني الورقة التي في يده .. وقال : طيب .. يا شيخ خذ هذه الورقة فيها أرقام هواتفنا .. إذا وجدت له وظيفة فاتصل بنا ..
أدركت أنه يريد أن يربطني بحبل أمل .. وسيظل ينتظر الاتصال ..
فقلت : بل دع الورقة معك .. وخذ رقمي أنت .. وإن وجدت له وظيفة فاتصل بي .. لعلي أن أكتب لك شفاعة للمسئول فيها ..
سكت الرجل قليلاً .. انتظرت أن يودعني ..
لكني تفاجأت أنه قال لي : بيض الله وجهك .. والله يا شيخ .. سبق أن كلمت الأمير فلان في موضوع أخي منذ سنة .. فأخذ الورقة .. ولم يتصل بي إلى الآن ..
ومرة كلمت اللواء فلان .. فأخذ الورقة أيضاً .. ولم يتصل ولم يهتم .. هؤلاء أناس ما يهتمون بالضعفاء .. الله ينتقم منهم .. الله .. وبدأ يدعو عليهم ..
فقلت في نفسي .. الحمد لله .. لو أخذت الورقة لصرت ثالثهم ..
نعم .. الاعتذار في البداية خير من إخلاف الوعد ..
ما أجمل أن نكون صرحاء مع الآخرين .. عارفين لحدود قدراتنا ..
أحياناً عند خروجك من البيت .. تصرخ بك زوجتك ..
أحضر معك حليباً .. وسكراً .. وحفائظ .. وعشاء ..
فانتبه .. لا تردد : طيب .. طيب .. وإنما اصرخ بها أنت أيضاً وقل :
مااااااا أقدر .. !! فهي خير من الاعتذار عند العودة .. ضاق وقتي .. أقفلت المحلات .. نسيت ..
وكذلك مع زملائك .. وإخوانك ..
أرجو أن تكون الفكرة وصلت ..

تجربة ..

الاعتذار في البداية .. خير من الاعتذار في النهاية ..

59- الخطوط الحمر .. 60- حفظ السر ..


59- الخطوط الحمر .. 

كان من طلابي في الجامعة..
كان واسع الثقافة .. حريصاً على تكوين علاقات مع الناس .. لكنه كان ثقيل الدم عليهم ..
جاءني يوماً .. وقال :
يا دكتور .. زملائي يغضبون مني دائماً .. لا يتحملون مزحي ..
قلت في نفسي : أنا لا أحتملك ساكتاً .. فكيف أحتملك متكلماً ..؟! خاصة إذا كنت تستخف دمك وتمزح ..!
سألته : لماذا لا يحتملون مزحك ؟! أعطني مثالاً ..
قال : عطس أحدهم فقلت : الله يلعنك .. ( ثم سكتُّ ) .. فلما غضب .. أكملت قائلاً : يا إبليس .. ويرحمك يا فلان ..!!
مسكين كان يظن نفسه بذلك .. خفيف الدم!!
الناس مهما قبلوا مزاحك ومداعباتك .. إلا أنه تبقى هناك خطوط حمراء لا يحبون أن تتعداها ..
خاصة إذا كان ذلك أمام الآخرين ..
بعض الناس لا يراعي ذلك ..
فتجد أنه يعتدي على حاجاتهم ..
فمثلاً من باب ( الميانة ) يأخذ هاتفك الجوال ويتصل به كما يريد .. أو ربما أرسل رسائل إلى أشخاص أنت لا ترغب أن يظهر رقم هاتفك عندهم ..
أو يأخذ سيارتك بغير إذنك .. أو يحرجك بطلبها حتى تأذن على مضض ..
أو تجد مجموعة طلاب في يسكنون في شقة واحدة .. يستيقظ أحدهم ليذهب إلى جامعته .. فيجد أن معطفه لبسه فلان .. وحذاءه في رجل فلان ..
ومن تعدي الخطوط الحمراء أنك .. تجد بعض الناس يحرج صاحبه بمزحة ثقيلة أو سؤال محرج في مجلس عام ..
والشخص مهما بلغ من المحبة لك .. إلا أنه يبقى بشراً يرضى ويغضب .. ويفرح ويسخط ..
لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى المدينة راجعاً من تبوك ..
قدم عليه في ذلك الشهر عروة بن مسعود الثقفي .. وكان سيداً جليل القدر .. رفيع المكانة عند قومه ثقيف ..
فأدرك النبي صلى الله عليه وسلم  قبل أن يصل إلى المدينة .. فأسلم ..
وسأله أن يرجع إلى قومه فيدعوهم إلى الإسلام ..
فخاف عليه .. وقال له : إنهم قاتلوك ..
وعرف صلى الله عليه وسلم  أن قبيلة ثقيف فيهم نخوة الامتناع .. والصرامة في التعامل .. حتى لو كان مع رئيسهم ..
فقال عروة : يا رسول الله .. أنا أحب إليهم من أبكارهم .. وأبصارهم ..
وكان محبباً مطاعاً فيهم ..
فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه .. لعظم منزلته فيهم ..
فلما وصل إلى ديار قومه .. رقى على مرتفع وصاح بهم حتى اجتمعوا .. وهو سيدهم ..
فدعاهم إلى الإسلام .. وأظهر لهم أنه أسلم .. وجعل يردد : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ..
فلما سمعوا منه ذلك .. صاحوا .. وثاروا أن يتركوا آلهتهم ..
ورموه بالنبل من كل جهة ..
حتى وقع صريعاً رضي الله عنه ..
فأقبل إليه أبناء عمه .. وهو ينازع الموت ..
وقال : يا عروة : ما ترى في دمك ؟
فقال : كرامة أكرمني الله بها .. وشهادة ساقها الله إلي ..
فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. فلا تقتتلوا لأجلي .. ولا تأخذوا بثأري من أحد ..
فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم  .. لما بلغه خبر مقتله ..
قال فيه : إن مثله في قومه .. كمثل صاحب ياسين في قومه .. رضي الله عنه ..
فانتبه ! الناس لهم أحاسيس مهما بلغت في القرب منهم .. وإن كانوا في منزلة الأخ والولد ..
لذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم  على ذلك .. فنهى عن ترويع المؤمن ..
كان صلى الله عليه وسلم  يوماً يسير مع أصحابه ..
وكان كل واحد منهم معه متاعه .. سلاحه .. فراشه .. طعامه ..
نزلوا منزلاً .. فنام رجل منهم ..
فأقبل صاحبه إلى حبل معه فأخذه .. مازحاً ..
فاستيقظ الرجل .. فوجد متاعه ناقصاً .. ففزع .. وأخذ يبحث عن حبله ..
فقال صلى الله عليه وسلم  : لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً ()  ..
وفي يوم آخر ..
كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم  في مسير ..
فنعس رجل وهو على راحلته ..
فغافله صاحبه وانتزع سهماً من كنانته ..
فشعر الرجل بمن يعبث بسلاحه .. فانتبه فزعاً مذعوراً ..
فقال صلى الله عليه وسلم  : لا يحل لرجل أن يروع مسلماً .. ()
ومثله الذي يمزح فيراك أوقفت سيارتك عند بقالة – مثلاً - وهي تشتغل فيأتي ويقودها .. ويوهمك أنها سرقت .. مازحاً..
قد يجاملك صاحبك ويضحك أحياناً على مزحة مروعة .. لكنه متألم ..
ولربما صبر الحليم على الأذى
                           وفؤاده من حره يتأوه
ولربما شكل الحليم لسانه
                         حذر الكلام وإنه لمفوه

وجهة نظر ..

كل ما زاد عن حده .. انقلب ضده .. وكم مزحة انتهت شجاراً !!

60- حفظ السر ..

اشتهر قديماً : كل سرٍ جاوز الإثنين .. شاع ..
ومن اللطائف أن أحدهم سئل : من الإثنين ؟ فأشار إلى شفتيه .. وقال : هذان !!
لا أذكر أني همست في أذن أحد من الناس بسرّ .. واستأمنته إياه .. ثم فاجأني قائلاً : يا محمد .. اسمح لي لا أستطيع أن أكتمه ..
بل كل شخص يضرب بيده صدره .. ويقول : والله لو وضعوا الشمس في يميني .. والقمر في شمالي .. أو السيف على رقبتي .. على أن أخبر بسرك .. ما أخبرت !!
ثم إذا اطمأننت ووثقت .. وكشفت له أسرارك .. تصبّر شهرين أو ثلاثة .. ثم حدث به .. فلا يزال يُتناقل حتى يصلك ..
فوجدت أن سرك لا ينبغي أن يجاوز شفتيك .. فلا تكلف الناس ما لا يطيقون ..
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
                      فصدر الذي يستودع السر أضيق
جربت كثيراً من الناس .. فوجدتهم كذلك ..
والمشكلة أنك تأتيهم على سبيل الاستشارة .. فيشيرون عليك .. ثم يفضحون سرك ..
فيسقطون من عينك .. ويصبحون من أبغض الناس إليك ..
ومن أعجب ما في التاريخ ..
أنه قبل معركة بدر ..
لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم  .. بقافلة قريش مقبلة وأراد قتالها ..
خرج صلى الله عليه وسلم  إليها مع أصحابه .. فلما شعر بهم أبو سفيان .. استأجر رجلاً اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري .. وقال اذهب وأخبر قريشاً بالخبر ..
فمضى ضمضم .. مسرعاً إلى مكة .. كان وصوله مكة يحتاج أن يسير أياماً ..
وأهل مكة لا يدرون عن شيء من ذلك ..
وفي ليلة من الليالي رأت عاتكة بنت عبد المطلب .. رؤيا أفزعتها .. فلما أصبحت بعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب .. فقالت له :
يا أخي .. والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني .. وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة .. فاكتم عليَّ ما أحدثك .. ولا تحدث به أحداً ..
قال لها : نعم .. وما رأيت ؟
قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير .. حتى وقف بوادي "الأبطح" .. ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..!
فأرى الناس قد اجتمعوا إليه .. ثم مضى فدخل المسجد والناس يتبعونه ..
فبينما هم حوله .. إذ صعد به بعيره فوق الكعبة .. ثم صرخ بمثلها : انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم صعد به بعيره على رأس جبل أبي قبيس .. فصرخ بمثلها :
انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم أخذ صخرة فقذفها من أعلى الجبل .. فأقبلت تهوي من فوق الجبل .. حتى إذا كانت بأسفل الجبل تكسرت ..
فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته كسرة من الصخرة .. فاضطرب العباس وقال : والله إن هذه لرؤيا !
ثم خشي أن تنتشر فيصيبه أذى .. فقال لها محذراً : وأنت فاكتميها لا تذكريها لأحد ..
ثم خرج العباس منشغل البال بأمر هذه الرؤيا .. فلقي الوليد بن عتبة وسط الطريق .. وكان له صديقاً ..
فحدثه بالرؤيا .. وقال له : اكتمها .. فلا تخبر بها أحداً ..
فمضى الوليد ..
فلقي ابنه عتبة فحدثه بها ..
ثم لم يمض سويعات ..
حتى حدث بها عتبة .. ثم تناقلها الناس .. وفشا الحديث بها في أهل مكة .. حتى تحدثت بها قريش في مجالسها ..
وفي الضحى ذهب العباس ليطوف بالكعبة ..
فإذا أبو جهل جالس في رَهْط من قريش .. في ظل الكعبة .. يتحدثون برؤيا عاتكة !!
فلما رأى أبو جهل العباسَ قال :
يا أبا الفضل .. إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ..
فلما أقبل إليه العباس وجلس معهم ..
قال له أبو جهل : يا بني عبد المطلب .. متى حدثت فيكم هذه النبية ؟
قال : وما ذاك ؟
قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ..
قال العباس : وما رأت ؟
قال : يا بني عبد المطلب .. أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟
قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث .. فسننتظر بكم ثلاثة أيام ..
فإن يك حقاً ما تقول .. فسيكون ..
وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت العرب ..
فاضطرب العباس .. وما رد عليه شيئاً .. وجحد الرؤيا .. وأنكر أن تكون رأت شيئاً ..
ثم تفرقوا ..
فلما أقبل العباس إلى بيته ..
لم تبق امرأة من بني عبد المطلب .. إلا جاءت إليه غاضبة .. تقول : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم .. ثم قد تناول النساء وأنت تسمع .. أما فيكم حمية ..
فاحتمى العباس .. وثار .. وقال : والله .. لئن عاد أبو جهل إلى مثل كلامه .. لأفعلن وأفعلن ..
فلما كان اليوم الثالث .. من رؤيا عاتكة ..
ذهب العباس إلى المسجد .. وهو مغضب ..
فلما دخل المسجد رأى أبا جهل .. فمشي نحوه يتعرضه ليعود لبعض ما قال فيقع به ..
فإذا بأبي جهل يخرج من باب المسجد يشتد مسرعاً ..
فعجب العباس من سرعته ..!! فقد كان مستعداً لخصومة وعراك .. فقال العباس في نفسه : ماله لعنه الله ؟! أكلّ هذاخوفٌ مني أن أشاتمه ؟!
وإذا أبو جهل قد سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري الذي أرسله أبو سفيان ليستعين بأهل مكة ..
وإذا ضمضم يصرخ في الوادي واقفاً على بعيره ..
قد جدع أنف بعيره .. والدم يسيل على وجه البعير ..
وقد شق ضمضم قميصه وهو يقول : يا معشر قريش اللطيمة .. اللطيمة ..
أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها ..
ثم صاح بأعلى صوته : الغوث .. الغوث ..
عندها تجهزت قريش وخرجت .. وكان من أمرها في معركة بدر ما كان ..
فتأمل كيف انتشر السر في لمحة عين .. مع قوة الحرص وشدة الاستئمان ..!!
ومن نشر السر أيضاً ..
أن عمر رضي الله عنه لما أسلم .. أراد أن ينشر الخبر ..
فأقبل إلى رجل منهم .. هو أعظمهم نشراً للإشاعة ..
فقال : يا فلان .. إني محدثك بسرٍ .. فاكتم عني ..!
قال : ما سرك ؟
قال : أشعرت أني قد أسلمت .. فانتبه .. لا تخبر أحداً ..
ثم تولى عنه عمر ..
فما كاد يغيب عنه .. حتى جعل الرجل يطوف بالناس ويردد : أعلمتَ أن عمر أسلم ..!! أعلمتَ أن عمر أسلم ..!!
عجباً !! وكالة أنباء متنقلة ..
وفي يوم من الأيام بعث النبي صلى الله عليه وسلم  أنساً رضي الله عنه في حاجة ..
فمرَّ بأمه .. فسألته .. إلى ماذا أرسلك النبي صلى الله عليه وسلم  ؟
فقال : والله .. ما كنت لأفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  ..
هكذا كان أنس وهو صغير .. في شدة حفظه للسر ..
وأنى لك اليوم أن تجد مثل أنس ..
قالت عائشة رضي الله عنه ..
أقبلت فاطمة تمشي .. كأن مشيتها مشية النبي  صلى الله عليه وسلم  ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم  : مرحباً بابنتي .. ثم أجلسها عن يمينه - أو عن شماله - ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فبكت ..
فقلت لها : لم تبكين ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فضحكت فقلت :
ما رأيت كاليوم .. فرحاً أقرب من حزن ..
فسألت فاطمة عما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم  ؟
فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول  الله صلى الله عليه وسلم  ..
حتى قبض النبي  صلى الله عليه وسلم  ..
فسألتها ؟
فقالت : أسر إليَّ : إن جبريل كان يعارضني () القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين .. ولا أراه إلا حضر أجلي .. وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي .. فبكيت ..
فقال : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة .. أو نساء المؤمنين .. فضحكت لذلك ..

قالوا ..

من عرف سرك أسرك ..

57- لا تبال بكلام الخلق .. 58- ابتسم .. ثم ابتسم .. ثم ابتسـ .. ثم أبتـ ..


57- لا تبال بكلام الخلق ..

أعجبتني عبارة رددها ابني عبد الرحمن يوماً .. وأظنه في ذلك السن لم يكن يفقه معناها..
كان يقول : طنِّش تعِش تَـنْـتَـعِش ..!!
تأملت في هذه العبارة وأنا ألاحظ حولي انتقادات الناس .. وآراءهم .. وأحاديثهم ..
فوجدت أن الناس في كلامهم وذمهم لنا يتنوعون ..
فيهم الناصح الصادق الذي لا يتقن فن النصيحة .. وبالتالي يحزنك بأسلوب نصحه أكثر مما يفرحك ..
وفيهم الحاسد .. الذي يقصد حزنك وهمك ..
وفيهم قليل الخبرة .. الذي يهذي بما لا يدري .. ولو سكت لكان خيراً له ..
وفيهم من طبيعته الانتقاد أصلاً .. فهو ينظر للحياة بنظارة سوداء ..
وقديماً قيل : لو اتحدت الأذواق لبارت السلع ..
ذكروا أن جحا ركب على حمار .. وولده يمشي بجانبه ..
فمروا بناس .. فقال الناس : انظروا لهذا الأب الغليظ يركب مرتاحاً .. ويدع ولده يمشي في الشمس ..
سمعهم جحا .. فأوقف الحمار .. ونزل .. وأركب ولده ..
ثم مشيا .. وجحا يشعر بنوع من الزهو ..
فمرا بقوم آخرين .. فقال أحدهم : انظروا إلى هذا الابن العاق .. يركب ويدع أباه يمشي في الشمس ..
سمعهم جحا ..
فأوق الحمار .. ثم ركب مع ولده .. ليتقو كلام الناس وانتقاداتهم ..
فمرا بقوم .. فقالوا : انظروا إلى هذين الغليظين .. لا يرحمون الحيوان ..
فنزل جحا .. وقال : يا ولدي .. انزل ..
فنزل الولد وجعل يمشي بجانب أبيه .. والحمار ليس فوقه أحد ..
فمرا بقوم .. فقالوا : انظروا إلى هذين السفيهين .. يمشيان والحمار فارغ .. وهل خلق الحمار إلا ليُركب ..
فصرخ جحا وجرّ ولده معه .. ودخلا تحت الحمار .. وحملاه ..!!
ولو رأيت جحا وقتها لقلت له : يا حبيب القلب .. افعل ما تشاء .. ولا تبال بكلام الخلق .. فرضا الناس غاية لا تدرك ..
ومن الذي ينجو من الناس سالماً  
ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر ..
بعض الناس .. لا يفكر في رأيه قبل أن يطرحه ..
يأتيك بعدما تتزوج .. ويقول .. ليش تخطب فلانة ؟
وكأني بك .. تتمنى أن تصرخ في وجهه وتقول : يا أخي تزوجت .. خلاص .. انتهى الموضوع .. ما أحد طلب منك اقتراحات ..
أو يأتيك وقد بعت سيارتك .. فيقول .. ليتك أخبرتني .. فلان كان سيعطيك أكثر ..
يا أخي .. بس !! الرجال باع سيارته .. خلاص وانتهى .. لا تشغله بالالتفات وراءه !!
وعموماً ..
ليس يخلو المرء من ضد ولو **
                      طلب العزلة في رأس جبل ..!!
فلا تعذب نفسك ..

تجربة ..

قال أحد السلف : من جعل دينه عرضة للخصومات .. أكثر التنقل !!

58- ابتسم .. ثم ابتسم .. ثم ابتسـ .. ثم أبتـ ..

أعرفه منذ سنين .. فهو أحد زملائي في عملي .. على كل حال ..
لكن هل تصدق أنني إلى الآن لا أدري هل نبتت له أسنان أم لا !!
دائم التجهم .. والعبوس .. وكأنه إذا ابتسم نقص عمره .. أو قلَّ ماله !!
قال جرير بن عبد الله البجلي : ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا تبسم في وجهي ..
الابتسامة أنواع .. ومراتب ..
فمنها البشاشة الدائمة .. أن يكون وجهك صبوحاً مبتهجاً دائماً ..
فلو كنت مدرساً ودخلت الفصل على طلابك .. فالقهم بوجه بشوش ..
ركبت طائرة .. ومشيت في الممر والناس ينظرون إليك .. كن بشوشاً ..
دخلت بقالة .. أو محطة وقود .. مددت له الحساب .. ابتسم ..
في المجلس .. ودخل شخص وسلم بصوت عال .. ومر بنظره على الجالسين .. ابتسم ..
دخلت على مجموعة .. وصافحتهم .. ابتسم ..
وعموماً : الابتسامة لها من التأثير الكبير في امتصاص الغضب والشك والتردد .. ما لا يشاركها غيرها ..
البطل هو الذي يستطيع التغلب على عواطفه .. والتبسم ..
كان أنس بن مالك رضي الله عنه يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم   يوماً.. والنبي صلى الله عليه وسلم  عليه بُرد نجراني غليظ الحاشية ..
فلحقهما أعرابي ..
أقبل هذا الأعرابي يجري وراء النبي صلى الله عليه وسلم  يريد أن يلحق به .. حتى إذا اقترب منه ..
جبذه بردائه جبذة شديدة .. فتحرك الرداء بعنف على رقبة النبي صلى الله عليه وسلم   ..
قال أنس : حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم   .. قد أثرت بها حاشية البُرد من شدة جبذته ..
فماذا يريد هذا الرجل ؟! لعل بيته يحترق وأقبل يريد معونة .. أو أحاطت بهم غارة من المشركين ..
اسمع ماذا يريد .. قال : يا محمد .. ( لاحظ لم يقل : يا رسول الله ) ..
قال : يا محمد .. مُر لي من مال الله الذي عندك .. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم   .. ثم ضحك .. ثم أمر له بعطاء ..
نعم .. كان صلى الله عليه وسلم   بطلاً لا تستفزه مثل هذه التصرفات .. ولا يعاقب أو تثور أعصابه على التافهات ..
كان واسع البطان .. قوياً يضبط أعصابه .. دائم الابتسامة حتى في أحلك الظروف .. يفكر في عواقب الأمور قبل أن يفعلها ..
وماذا يفيد لو أنه صرخ بالرجل أو طرده ‍‍!
هل سيشفى جرح عنقه ! أو يصلح أدب الرجل ! كلا ..
إذن ليس مثل الصبر والتحمل ..
نعم بعض الأمور نثور لها ونغضب .. وعلاجها شيء آخر تماماً ..
وصدق صلى الله عليه وسلم  لما قال : ليس الشديد بالصرعة .. إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ..
كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم  .. يجذب الناس بالتبسم والبشاشة ..
خرجو إلى غزوة خيبر .. وفي أثناء القتال ..
وقع من حصن اليهود جراب فيه شحم .. قربة كاملة مملوءة سمناً ..
حمله عبد الله بن مغفل رضي الله عنه على عاتقه فرحاً ومضى به إلى رحله وأصحابه ..
فلقيه الرجل المسئول عن جمع الغنائم وترتيبها .. فجذب الجراب إليه .. وقال :
هاتِ هذا نقسمه بين المسلمين ..
فتعلق به عبد الله : لا والله .. لا أعطيكه .. أنا أصبته ..
قال : بلى .. وجعلا يتجاذبا الجراب ..
فمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. فرآهما .. وهما يتجاذبان الجراب ..
فتبسم صلى الله عليه وسلم  ضاحكاً .. ثم قال لصاحب المغانم :
لا أبالك .. خل بينه وبينه ..
فتركه .. فانطلق به عبد الله إلى رحله وأصحابه .. فأكلوه ..
وأخيراً .. تبسمك في وجه أخيك صدقة ..

قال لي :

فلان سحرني بأخلاقه .. حتى تعلقت به نفسي .. قلت : لم ؟! قال : دائماً بشوش .. وما رآني إلا تبسم !!

55- اجعل لسانك عذباً .. 56- اختصر .. ولا تجادل ..


55- اجعل لسانك عذباً ..

لا تخلو حياتنا من مواقف نحتاج فيها إلى تقديم توجيهات ونصائح للآخرين ..
الولد .. الزوج .. الصديق .. الجار .. الأبوين ..
تختلف نهايات النصائح .. باختلاف بداياتها ..
أعني : إن كانت البداية بأسلوب مناسب .. ومدخل لطيف ..
انتهت كذلك ..
وإن كانت بأسلوب جاف .. ومدخل عنيف .. انتهت كذلك ..
عندما ننصح الناس .. فنحن في الواقع نتعامل مع قلوبهم .. لا أجسادهم ..
لذلك تجد بعض الأبناء يتقبل من أمه ولا يتقبل من أبيه .. أو العكس ..
والطلاب يتقبلون من مدرس .. دون الآخر ..
وأول البراعة في النصيحة ..
أن لا تكثر منها وتدقق على كل صغير وكبير .. حتى لا يشعر الآخرون أنك مراقب لحركاتهم وسكناتهم .. فتثقل عليهم ..
ليس الغبي بسيد في قومه *** لكن سيد قومه المتغابي
وإن استطعت أن تقدم انصيحة على شكل اقتراح .. فافعل ..
لو قللت الملح في الطعام .. لكان أحسن ..
لو تغير ملابسك بثياب أجمل ..
لو ما تتأخر عن مدرستك مرة أخرى .. أفضل ..
ما رأيك لو فعلت كذا .. أقترح عليك كذا وكذا ..
أحسن من قولك ..
يا قليل الأدب .. كم مرة قلت لك .. أنت ما تفهم .. إلى متى أعلمك ؟!!
اجعله يحتفظ بماء وجهه .. ويشعر بقيمته حتى وهو مخطئ ..
لأن المقصود علاج أخطائه لا الانتقام منه أوإهانته ..
يعني يا جماعة .. بالعبارة الصريحة :
لا أحد يحب أن يتلقى الأوامر ..
أراد صلى الله عليه وسلم  يوماً أن يوجه عبد الله بن عمر للتعبد بصلاة الليل ..
فما دعاه وقال : يا عبد الله قم الليل ..
وإنما قدم النصيحة على شكل اقتراح .. وقال : نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل ..
وفي رواية قال : يا عبد الله لا تكن مثل فلان .. كان يقوم الليل ..
بل إن استطعت أن تلفت نظره إلى الأخطاء من حيث لا يشعر فهو أولى ..
عطس رجل عند عبد الله بن المبارك .. فلم يقل الحمد لله .. فقال عبد الله : ماذا يقول العاطس إذا عطس ؟ قال : الحمد لله .. فقال : عبد الله : يرحمك الله ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  كذلك ..
كان إذا انصرف من صلاة العصر .. دخل على نسائه واحدة واحدة ..
فيدنو من إحداهن .. ويتحدث معها ..
فدخل على زينب بمن جحش .. فوجد عندها عسلاً .. وكان صلى الله عليه وسلم   يحب العسل والحلواء ..
فاحتبس عندها أكثر ما كان يحتبس عند غيرها ..
فغارت عائشة وحفصة .. وتواصتا من دخل عليها تقول له :
أجد منك ريح مغافير .. وهو شراب حلو يشبه العسل .. ولكن له رائحة سيئة ..
وكان صلى الله عليه وسلم   يشتد عليه أن يوجد منه الريح من بدنه أو فمه .. لأنه يناجي جبريل .. ويناجي الناس ..
فلما دخل على حفصة .. سألته ماذا أكل ؟
فقال : شربت عسلاً عند زينب ..
فقالت : إني أجد منك ريح مغافير ..
فقال : لا بل شربت عسلاً .. ولن أعود له ..
ثم قام ودخل على عائشة .. فقالت له عائشة مثل ذلك ..
ومضت الأيام .. وكشف الله له القضية كلها ..
وبعد أيام .. أسر إلى حفصة رضي الله عنه حديثاً .. فأظهرته ..
فدخل عليها يوماً .. وعندها الشفاء بنت عبد الله .. وكانت صحابية تتعلم الطب .. وتعالج الناس ..
فقال صلى الله عليه وسلم  للشفاء : ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة ..
ورقية النملة كلام كانت نساء العرب تقوله .. يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع ..
ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال :
العروس تحتفل .. وتختضب وتكتحل .. وكل شيء تفتعل .. غير أن لا تعصي الرجل ..
فأراد صلى الله عليه وسلم  بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضاً .. بأن تردد جملة : غير أن لا تعصي الرجل ..
أحد السلف استلف منه رجل كتاباً .. فرده إليه بعد أيام وعليه آثار طعام .. كأنه حمل عليه خبزاً أو عنباً .. فسكت صاحب الكتاب ..
وبعد أيام جاءه صاحبه يستعير منه كتاباً آخر .. فأعطاه الكتاب في طبق ..!!
فقال الرجل : إنما أريد الكتاب .. فما بال الطبق ؟!
فقال : الكتاب لتقرأ فيه .. والطبق لتحمل عليه طعامك !!
فأخذ الكتاب .. ومضى .. فقد وصلت الرسالة ..
وأذكر أن أن أحدهم كان يعود إلى بيته ليلاً .. وينزع ثوبه .. يعلقه على الشماعة .. وينام ..
فتأتي زوجته .. وتفتح محفظة النقود .. ثم تأخذ الصرف الموجود .. من فئة الريال .. والخمسة ..
فإذا استيقظ صباحاً وذهب إلأى عمله .. واحتاج أن يحاسب في بقالة ونحوها .. لم يجد صرفاً ..
فراقبها .. حتى فهم القضية ..
فرجع إلى بيته يوماً .. وقد جعل في جيبه ضفدعاً ..
ونزع ثوبه كالعادة .. واضطجع كهيئة النائم .. وأخذ يشخر .. وهو يراقب الثوب ..
فأقبلت زوجته لتأخذ ما يتيسر ..كالعادة !!
أقبلت إلى الثوب تمشي رويداً .. أدخلت يدها بهدوووء ..
فلمست الضفدع .. فتحرك فجأة .. فصرخت : آآآآه.. يدي ..
ففتح الزوج عينيه .. وقال : وأنا .. آآآه .. جيبي ..
ليتنا نستعمل هذا الأسلوب .. مع جميع الناس ..
أولادنا إذا وقعوا في أخطاء .. ومع طلابنا ..
نايف أحد الأصدقاء .. كان له أم صالحة .. لا ترضى ن يبقى في البيت صور أبداً .. لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ..
كان عندها طقلة صغيرة .. عندها ألعاب متنوعة .. إلا الدُّمى .. العرائس ..
أهدت إليها خالتها دُمية .. عروسة .. وقالت لها : العبي بها في غرفتك .. واحذري أن تراها أمك ..
وبعد يومين .. علمت الأم ..
فأرادت أن تقدم النصيحة بأسلوب مناسب ..
جلسوا على الطعام .. فقالت أم نايف : يا أولاد ..!! من يومين .. وأنا أشعر أن البيت ليس فيه ملائكة !! لا أدري لماذا خرجت .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
والبنت الصغيرة تسمع وهي ساكته ..
وبعد الغداء رجعت الصغيرة إلى غرفتها .. فإذا بين يديها ألعاب كثيرة .. والعروسة من بينها .. فالتقطتها .. وجاءت بها إلى الأم وقال : ماما .. هذه التيطردت الملائكة .. افعلي بها ماشئت !!
يعني دع المنصوح يحتفظ بماء وجهه .. ويمكن أن تأكل العسل من غير أن تحطم الخلية ..
لا تنصحه كأنه قد كفر بفعله ..
بل وأحسن الظن به .. واعتبر أنه وقع في الخطأ من غير قصد .. أو من غير أن يعلم ..
كانت الخمر في أول الإسلام لم تحرم بعد ..
وفي يوم أقبل عامر بن ربيعة .. الصحابي الجليل ..
من سفر .. فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم  راوية خمر .. جرة كاملة مملوءة خمراً ..
نظر النبي صلى الله عليه وسلم  إلى الخمر مستغرباً .. والتفت إلى عامر بن ربيعة .. وقال : أما علمت أنها قد حرمت ..؟
قال : حرمت ؟! لا .. ما علمت يا رسول الله ..
قال : فإنها قد حرمت ..
فحملها عامر .. فأسرَّ إليه بعضهم بأن يبيعها ..
فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم  فقال : لا .. إن الله إذا حرم شيئاً .. حرم ثمنه ..
فأخذها رضي الله عنه فاهراقها على التراب ..  ()
وانتبه أن تمدح نفسك وأنت تنصح .. فترفع نفسك وتسحب المنصوح إلى القاع .. لا أحد يرضى بذلك ..
بعض الآباء – مثلاً- .. إذا نصح ولده بدأ يذكر أمجاده ..أنا كنت وكنت .. ولعل الولد يعلم تاريخ والده ..!!

باختصار ..

 الكلمة الطيبة .. صدقة ..

56- اختصر .. ولا تجادل ..

يقولون : إن الناصح كالجلاد ..
وبقدر مهارة الجلاد في الجلد .. يبقى الألم ..
أقول : مهارة الجلد .. لا قوة الجلد !!
فالجلاد العنيف الذي يضرب بقوة .. يتألم المضروب وقت وقوع السياط .. ثم ما يلبث حتى ينساها ..
أما الجلاد الأستاذ في صنعته ..فقد لا يضرب بقوة .. لكنه يعلم أن يوقع السوط ..
كذلك الناصح .. ليست العبرة بكثرة الكلام .. ولا طول النصيحة ..
وإنما بأسلوب الناصح ..
فاختصر قدر المستطاع .. إذا أردت أن تنصحه فلا تلق عليه محاضرة ..!!
خاصة إذا كان الأمر متفقاً عليه .. كمن تنصحه عن الغضب .. أو شرب الخمر .. أو ترك الصلاة .. أو عقوق الوالدين .. الخ ..
تأملت النصائح النبوية الشخصية المباشرة .. فوجدتها لا تزيد الواحدة منها عن سطر واحد .. أو سطرين ..
اسمع : يا علي .. لا تتبع النظرة النظرة .. فإن لك الأولى وليست لك الثانية ..
انتهى .. نصيحة باختصار ..
يا عبد الله بن عمر .. كن في الدنيا كأنك غريب .. أو عابر سبيل ..
انتهى ..
يا معاذ .. والله إني أحبك .. فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك .. وشكرك .. وحسن عبادتك ..
يا عمر .. إنك رجل قوي .. فلا تزاحمن عند الحجر ..
وكذلك كان العقلاء بعده ..
لقي أبو هريرة رضي الله عنه الفرزدق الشاعر فقال :
يا ابن أخي إني أرى قدميك صغيرتين .. ولن تعدم لهما موضعا في الجنة ..
يعني فاعمل لها .. ودع عنك قذف لمحصنات في شعرك ..
وعمر رضي الله عنه .. كان على فراش الموت .. فجعلوا الناس يثنون عليه ..
وجاء شاب فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم  .. وقدم في الإسلام ما قد علمت .. ثم وَلِيت فعدلت .. ثم شهادة ..
فقال عمر : وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي ..
فلما أدبر الشاب .. فإذا إزاره يمس الأرض .. مسبل ..
فأراد عمر رضي الله عنه أن يقدم النصيحة للشاب ..
فقال : ردوا علي الغلام ..
فلما وقف الشاب بين يديه .. قال : يا بن أخي .. ارفع ثوبك .. فإنه أنقى لثوبك .. وأتقى لربك () ..
انتهى .. باختصار .. الرسالة وصلت ..
واترك الجدال قدر المستطاع ..
خاصة إذا شعرت أن الذي أمامك يكابر .. فالمقصود إيصال النصيحة إليه ..
وقد ذم الله الجدال : ( ما ضربوه لك إلا جدلاً ) ..
وقال صلى الله عليه وسلم  : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه .. إلا أوتوا الجدل ..
وقال : أنا زعيم لبيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقاً ..
أحياناً يقتنع الشخص بالفكرة .. لكن أكثر النفوس فيها أنفة وكبر ..
( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ) ..
فالغاية عندك أنت أصلاً أن يعرف الخطأ ليتجنبه في المرة القادمة .. وليس الغاية أن تنتصر أنت عليه .. فلستما في حلبة مصارعة ..
دخل النبي صلى الله عليه وسلم  على علي وفاطمة رضي الله عنه .. ليلاً ..
فقال لهما : ألا تصليان .. أي ألا تقوما الليل ..
فقال علي : أنفسنا بيد الله .. متى شاء أن يبعثنا .. بعثنا ..
فولاهما النبي صلى الله عليه وسلم  ظهره .. ومضى وهو يضرب بيده على فخذه ويقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً .. () ..
وأحياناً قد يذكر المنصوح .. كلاماً يعتذر به .. وهو ليس عذراً مقنعاً لكنه يقوله ..ليحفظ ماء وجهه ..
فكن سمحاً ..
ولا تغلق عليه الأبواب بل أبقها مفتوحة أمامه وأنت تنصح ..
وحتى لو تكلم بكلام خاطئ .. فيمكن أن تعالج خطأه من حيث لا يشعر ..
كأن تقول : صحيح .. وأنا معك أن الإنسان يفقد أعصابه غصباً عنه ..
وأثن عليه .. ثم قل : ولكن .. ثم انسف كلامه إن كان خاطئاً ..

وجهة نظر ..

نبه على الخطأ .. ولا تلق محاضرة ..

54- بين الحي .. والميت ..


54- بين الحي .. والميت ..

كان ثقيلاً على الناس .. على زملائه .. جيرانه .. إخوانه .. حتى على أولاده ..
نعم .. كان ثقيل الدم ..
طالما سمعهم مراراً يقولون : يا أخي ما عندك مشاعر !!
لم يكن يتفاعل معهم أبداً ..
أتاه ولده يوماً فرحاً مستبشراً .. يلوّح بدفتر الواجب وقد وقع المدرس فيه كلمة " ممتاز " .. لم يلتفت الأب إليه .. وإنما قال : طيب .. عادي .. والله لو أنك جايب شهادة الدكتوراه !!
كان المنتظر غير ذلك ..
طالب عنده في الفصل .. كان خفيف الدم .. لاحظ ثقل الدرس ( والمدرس !!) فلطف الجوَّ بنكتة أطلقها .. فلم تتحرك تعابير وجه المدرس وإنما قال : تستخف دمك ؟!
كنت أتمنى أن يكون تصرفه غير ذلك ..
دخل إلى البقالة .. فقال له العامل البسيط : الحمد لله .. جاءتني رسالة من أهلي .. لم يتفاعل ..
هلا سأل نفسه لماذا أخبره أصلاً .. ليشاركه فرحته ..
زار أحد زملائه .. فوضع له القهوة والشاي .. ثم دخل البيت وجاء بطفله الأول حديث لاولاده .. قد لفه في مهاده .. ولو استطاع أن يلفه بجفون عينيه لفعل .. ثم وقف به بين يديه وقال : ما رأيك في هذا البطل ؟
فنظر إليه ببرود .. وقال .. ما شاء الله .. الله يخلي لك إياه .. ثم رفع فنجال الشاي ليشرب ..
كان المنتظر أن يتفاعل أكثر .. يأخذ الغلام بين يديه .. يقبله .. يمدح جماله .. وصحته ..
لكن صاحبنا كان ( غبياً ) ..
عندما تتعامل مع الناس .. قس الأمور بأهميتها عندهم .. لا عندك أنت ..
فكلمة "ممتاز" بالنسبة لولدك أغلى عنده من شهادة الدكتوراه عند الدكتور ..
وهذا المولود عند صاحبك أغلى عنده من الدنيا .. كلما رآه ودَّ أن يشق قلبه ويسكنه فيه .. أفلا يستحق منك حبك لصاحبك أن تشاركه ولو بعض شعوره ..
أحياناً يكون بعض الناس متحمساً لشيء معين ..
لذلك تجد الذين لا يتفاعلون مع الناس يشتكي أحدهم دائماً ..
لماذا أولادي لا يحبون ( السوالف ) معي .. فنقول : لأنهم يحكون لك النكتة فلا تتفاعل .. ويروون قصصهم في مدارسهم .. وكأنهم يكلمون جداراً ..
حتى ذكر لك شخص قصة .. أنت تعرفها .. فلا مانع من التفاعل معه ..
قال عبد الله ابن المبارك : والله إن الرجل ليحدثني بالحديث وأنا أعرفه من قبل أن تلده أمه فأسمعه منه .. وكأني أول مرة أسمعه ..
ما أجمل هذه المهارة ..
قبيل معركة الخندق ..
عمل المسلمون في حفر الخندق حتى أحكموه ..
وكان من بينهم رجل اسمه جعيل .. فغيره النبي صلى الله عليه وسلم  إلى عمرو ..
فكان الصحابة يشتغلون .. ويعملون ..
ويرددون قائلين :
سماه من بعد جعيل عمراً ***
                         وكان للبائس يوماً ظهراً
فكانوا إذا قالوا : عمرواً .. قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  : عمرواً ..
وإذا قالوا : ظهراً .. قال لهم : ظهراً ..
فيتحمسون أكثر .. ويشعرون أنه معهم ..
والله لولا الله ما اهتدينا ..
ولما أقبل الليل عليهم اشتد البرد ..
واستمروا يحفرون ..
فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  ..
فرآهم يحفرون بأيديهم راضين مستبشرين ..
فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  قالوا :
نحن الذين بايعوا محمداً *** على الجهاد ما بقينا أبدا
فقال مجيباً لهم :
اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة ..
ويستمر تفاعله معهم .. طوال الأيام ..
فسمعهم وقد علاهم الغبار .. وهم يرددون :
والله لولا الله ما اهتدينا       ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا        وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا        إذا أرادوا فتنة أبينا
فكان يرفع صوته متفاعلاً معهم قائلاً : أبينا .. أبينا .
وكان صلى الله عليه وسلم  إذا مازحه أحد تفاعل معه .. وضحك وتبسم ..
دخل عليه عمر وهو صلى الله عليه وسلم  غضبان على نسائه .. لما أكثرن عليه مطالبته بالنفقة .. فقال عمر : يَا رَسُولَ اللَّهِ .. لَوْ رَأَيْتَنا وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ .. نَغْلِبُ النِّسَاءَ ..
فكنا إذا سألت أحدَنا امرأتُه نفقةً قام إليها فوجأ عنقها ..
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ .. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ..
فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم  .. ثم زاد عمر الكلام .. فازداد تبسم النبي صلى الله عليه وسلم  ..
وتقرأ في أحاديث أنه تبسم حتى بدت نواجذه ..
وكان صلى الله عليه وسلم  يتعامل مع أنواع من الناس لا يقدرون التعامل الراقي .. ولا يتفاعلون معه .. بل ينغلقون ويتعجلون ..
ومع ذلك كان يصبر عليهم ..
كان صلى الله عليه وسلم  .. يوماً نازلاً بموضع يقال له "الجعرانة " بين مكة والمدينة ..
ومعه بلال .. فجاءه صلى الله عليه وسلم  أعرابي يبدو أنه كان قد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم  حاجة فوعده بها ولم تتيسر بعد .. وكان الأعرابي مستعجلاً .. فقال :
يا محمد .. ألا تنجز لي ما وعدتني ؟
فقال له صلى الله عليه وسلم  متلطفاً : أبشر ..
وهل هناك كلمة أرق منها ..!!
فقال الأعرابي بكل صلافة : قد أكثرت علي من أبشر !
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم  من عبارته .. لكنه كتم غيظه .. والتفت إلى أبي موسى وبلال وكانا جالسين بجانبه .. فقال :
رد البشرى فاقبلا أنتما ..
فاستبشرا ..
ثم دعا صلى الله عليه وسلم  بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجَّ فيه ..
ثم قال : اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا .. أي ببركة هذا الماء ..
فأخذا القدح ففعلا ..
وكانت أم سلمة رضي الله عنه قريبة منهم .. جالسة وراء ستار .. فأرادت أن لا تفوتها البركة .. فنادت من وراء الستر : أفضلا لأمكما .. أي أبقيا لها منه ..
فأفضلا لها منه طائفة .. () ..
إذن كان لطيف المعشر .. أنيس المجلس .. متحملاً .. لا يعمل قضية وخلافاً من كل شيء ..
جلس صلى الله عليه وسلم  يوماً مع عائشة ..
فأخذت تحدثه بأحاديث نساء .. وهو يتفاعل معها ..
وهي تفصل الكلام وتطيل .. وهو على كثرة مشاغله يستمع ويتفاعل ويعلق ..
حتى قضت حديثها ..
فحدثته أنه جلست إحدى عشرة امرأة – في أيام الجاهلية - فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً ..
فجعلن يتذاكرن أزواجهن بما فيهم ولا يكذبن !!
قالت الأولى :
زوجي لحم جمل غث على رأس جبل ..
لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ..
( تشبه زوجها بالجبل الوعر الذي وضعوا فوقه لحم جمل كبير غير جيد .. فلا يحرص أحد للوصول إليه لصعوبة الوصول إليه .. وهو لا يستحق التعب لأجله .. أي : لسوء خلقة .. وأنه يتكبر .. مع أنه ليس عنده ما يتكبر بسببه فهو بخيل فقير ) ..
قالت الثانية :
زوجي لا أبث خبره ..
إني أخاف أن لا أذره ..
إن أذكره أذكر عجره وبجره ..
( أي : زوجها كثير العيوب .. وتخشى إذا ذكرت ما فيه أن يبلغه ذلك فيطلقها .. وهي متعلقة به بسبب أولادها ..
لكنها لم تمدحه فإن له عُجَر وبُجَر !! والعجر : أن تنعقد العروق في الجسد حتى تصير منتفخة .. فتؤلم ..
والبُجَر انتفاخ عروق في البطن .. !!)
قالت الثالثة :
زوجي العَشَنَّق ..
إن أنطق أطلق ..
وإن أسكت أُعلَّق ..
وهو على حد السِّنان الـمُذَلَّق ..
 ( أي : زوجها طويل قبيح .. سيء الخلق .. ولا يتسامح معها بل على مثل حد السيف !! فهي مهددة بالطلاق كل لحظة .. لا يحتمل كلامها .. ومتى اشتكت إليه شيئاً طلقها .. ولا يعاملها معاملة الأزواج .. فهي عنده كالمعلقة ) ..
قالت الرابعة :
زوجي كـ لَـيْـلِ تِهامة ..
لا حَرٌ ولا قَرٌ ..
ولا مخافة ولا سآمة ..
( ليل تهامة لا رياح فيه فيطيب لأهله .. فوصفت زوجها بجميل العشرة .. واعتدال الأخلاق .. فلا أذى عنده ) ..
قالت الخامسة :
زوجي إن دخل فَـهِد ..
وإن خرج أَسِد ..
ولا يسأل عما عَـهِد ..
( أي : إذا دخل بيته صار كالفهد وهو الحيوان المعروف وهو كريم نشيط .. وغذا خرج من البيت وخالط الناس فهو أسد لشجاعته .. وهو أيضاً سمحٌ لا يدقق في السؤال عن ما يأخذه أهله أو يصرفونه ..)
قالت السادسة :
زوجي إن أكل لفَّ ..
وإن شرب اشتفَّ ..
وإن اضطجع التفَّ ..
ولا يُولِج الكفَّ .. ليعلم البثَّ ..
(أي : إن زوجها يكثر الأكل حتى يلفه لفاً فلا يبقي لهم شيئاً .. والشراف يشفّه شفاً .. يشربه كله .. وإذا نام التفَّ باللحاف ولم يدع لزوجته شيئاً .. وإذا حزنت لم يقرب كفه إليها أو يلاطفها ليعلم سبب حزنها .. ) ..
قالت السابعة :
زوجي غياياء أو عياياء ( أي غبي !! )
طباقاء ( أحمق !)
كل داء له داء ( جميع العيوب فيه !)
إن حدثته سبك .. ( لا يقبل حديثاً ولا مؤانسة . بل يسب ويلعن دوماً ) ..
وإن مازحته : شجًك ( ضرب رأسك فجرحه !) ..
أو فلًك ( ضرب الجلد فجرحه ) ..
أو جمع كلاًّ لكِ .. ( يضرب كل المواضع الرأس والجسد ! ) ..
قالت الثامنة :
زوجي .. المس مس أرنب .. ( أي ناعم رقيق ) ..
والريح ريح زرنب .. ( وهو نبات طيب الرائحة ) ..
وأنا اغلبه والناس يغلب .. ( أي سهل معها ينصاع لما تريد .. لكنه بطل يغلب الناس وشخصيته أمامهم قوية ) ..
قالت التاسعة :
زوجي رفيع النجاد .. ( بيته واسع مفتوح للضيوف ) ..
عظيم الرماد .. ( كثير إشعال النار استقبالاً للضيوف وطبخاً لهم ) ..
قريب البيت من الناد .. ( المجلس الذي يجلس فيه مع أصحابه وهو النادي قريب من بيته لحرصه على أهله ) ..
لا يشبع ليله يضاف .. ( لا يأكل كثيراً عند الناس ) ..
ولا ينام ليلة يُخَاف .. ( إذا كان هناك خطر بالليل من عدو أو غيره .. يظل مستيقظاً يحرس ويراقب ) ..
قالت العاشرة :
زوجي مالك ..
وما مالك ؟! ..
مالك خير من ذلك ..
له إبل كثيرات المبارك ..
قليلات المسارح ..
وإذا سمعن المزهر .. أيقنَّ أنهن هوالك ..
( زوجها اسمه مالك .. مهما وصفته لن تحيط بأوصافه الجميلة .. إبله دائماً قريبة منه وقل ما تسرح أي تذهب للرعي ..لتكون جاهة للحلب منها ونحرها للضيوف .. وإذا سمعت افبل صوت المزهر السكين تُحَدّ وتجهّز .. علمت أنه سيهلك بعضهن ذبحاً للضيوف ) ..
قالت الحادية عشرة :
زوجي أبو زرع ؟! ( اسمه أبو زرع ) ..
فما أبو زرع ..
أناس من حلي أذني .. ( ألبسها الحلي والذهب ) ..
وملأ من شحم عضدي .. ( سمنت عنده ) ..
وبجحني فبجحت إلى نفسي .. ( مدحني حتى أعجبت بنفسي ) ..
وجدني في أهل غنيمة بشِقٍّ .. ( كان اهلها فقراء لا يملكون إلا غنيمات ) ..
فجعلني في أهل صهيل وأطيط ( نقلها إلى بيت فيه خيل وإبل ) ..
ودائس ومنق ( أي دواب كثيرة ) ..
فعنده أقول فلا أقبح .. ( تتكلم بما شاءت ولا ينتقد كلامها ) ..
وأرقد فأتصبح .. ( تشبع نوماً إلى الصباح .. لكثرة الخدم ) ..
وأشرب فأتقنح .. ( جميع الأشربة عندها .. تروى منها ) ..
أم أبي زرع ؟! فما أم أبي زرع !!
عكومها رداح .. ( سمينة جميلة ) ..
وبيتها فساح .. ( بيتها واسع ) ..
ابن أبي زرع ؟! فما بن أبي زرع !!
مضجعه كمسل شطبة .. ( ينام نوماً رفيقاً بأدب ) ..
ويشبعه ذراع الجفرة .. ( لا يأكل كثيراً ) ..
بنت أبي زرع ؟! فما بنت أبي زرع !!
طوع أبيها وطوع أمها ..
وملء كسائها .. ( متسترة ) ..
وغيظ جارتها .. ( تغار جاراتها من جمالها ولذة عيشها ) ..
جارية أبي زرع ؟! فما جارية أبي زرع !! ( الخادمة !! )
لا تبث حديثنا تبثيثاً .. ( لا تنشر أسرار البيت ) ..
ولا تنفث ميرتنا تنفيثاً .. ( لا تبدد طعام البيت وتعبث به ) ..
ولا تملأ بيتنا تعشيشاً .. ( لا تهمل البيت فيمتلأ بالأوساخ ) ..
ثم قالت :
خرج أبو زرع والأوطاب تمخض .. ( خرج من بيته يوماً في وقت ربيع ) ..
فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين .. ( رأى امرأة جالسة حولها طفلان جميلان قويا البنية ) ..
يلعبان من تحت خصرها برمانتين .. ( يلعبان بثدييها ) ..
فطلقني ونكحها .. ( أعجبته .. فطلق أم زرع وتزوجها !! ) ..
فنكحت بعده رجلا سرياً .. ( تزوجت ام زرع رجلاً كريماً ) ..
ركب شرياً .. ( ركب خيلاً سابقاً ) ..
وأخذ خطياً ..
وأراح علي نعماً ثرياً .. ( أكرمها وأهداها لأنه ثري ) ..
وأعطاني من كل رائحة زوجاً .. ( أكثر لها من الأطياب ويعطيها اثنين من كل شيء لتستعمل وتهدي إن شاءت ) ..
وقال : كلي أم زرع ..
وميري أهلك .. ( أهدي لأهلك وأعطيهم ) ..
ثم قالت :
فلو جمعت كل شيء أعطانيه ..
ما بلغ أصغر آنية أبي زرع .. ( لا يزال قلبها معلقاً بأبي زرع ..!! ما الحب إلا للحبيب الأول )
كان صلى الله عليه وسلم  يستمع بكل غنصات إلى عائشة وهي تحدثه .. ولم يظهر لها ضجراً ولا مللاً .. مع تعبه وكثرة مشاغله .. وتراكم همومه ..
حتى إذا انتهت عائشة من حديثها :
قال صلى الله عليه وسلم  : كنت لك كأبي زرع لأم زرع ..
إذن .. اتفقنا .. على أهمية إظهار اللطف والاهتمام بالناس ..
فإذا جاءك ولدك متزيناً بثوب جميل .. ما رأيك يا أبي ؟ .. تفاعل ..
ابنتك .. زوجتك ..
زوجك .. ولدك .. زميلتك ..
كل من تخالطهم كن حياً متفاعلاً ..
أحياناً تكون ناسياً الموضوع .. قال لك – مثلاً - : أبشرك الوالد شُفي من مرضه .. فلا تقل : أصلاً .. متى مرض ؟!!
أو : أخي خرج من السجن .. لا تقل : والله ما دريت أصلاً أنه دخل السجن ..
وأخيراً .. يا جماعة ..
التشجيع والتفاعل ينفع حتى مع الحيوانات ..
قال أبو بكر الرقي :
كنت بالبادية ..
فوافيت قبيلة من قبائل العرب .. فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه ..
فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيداً بقيد .. ورأيت جِمالا قد ماتت بين يدي البيت ..
وقد بقى منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه ..
فقال لي الغلام : أنت ضيف .. ولك حق .. فتشفع فيَّ إلى مولاي .. فإنه مكرم لضيفه .. فلا يرد شفاعتك في هذا القدر .. فعساه يحل القيد عني ..
فسكت عنه .. ولم أدر ما جرمه ..
فلما أحضروا الطعام .. امتنعت .. وقلت :
لا آكل .. ما لم أشفع في هذا العبد ..
فقال السيد : إن هذا العبد قد أفقرني .. وأهلَكَ جميعَ مالي ..
فقلت : ماذا فعل ؟!
فقال : إن له صوتاًً طيباً .. وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال .. فحمَّلها أحمالاً ثقالاً ..
وكان ينشد الأشعار ويحدو بها .. حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته ..
فلما حطت أحمالها .. ماتت كلها .. إلا هذا الجمل الواحد ..
ولكن أنت ضيفي .. فلكرامتك قد وهبته لك .. وأطلق الغلام من قيده ..
فاشتقت إلى سماع هذا الصوت ..
فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك .. لينشط الجمل للعمل ..
فانطلق الغلام بصوت حسن .. فلما رفع صوته ..
سمعه الجمل فهام وهاج ونسي نفسه .. حتى قطع حباله ..
ووقعت أنا على وجهي من حسن الصوت .. فما أظن أني سمعت قط صوتاً أطيب منه .. ()

طور نفسك بالتدريب ..

كن حياً لا ميتاً .. تفاعل بكلامك .. بتعبيرات وجهك .. حتى يأنس الآخرون بك ..